الصفحة 18 من 157

وأما الدلالة الثالثة: فالنظر الصحيح ، ذلك أن المعرفة بالأدلة والبراهين لا يطيقه كل أحد ، فالعقول مختلفة والألباب متفاوتة ، فمن الناس من يقوى في عقله على أن يفهم الدليل ويَعيه ويحفظه ، ومنهم لا يقوى على ذلك ، فلو كُلف الناس بمعرفة الأدلة والبراهين على ذلك لوقع العنت ووقعت المشقة على الخلق ، وهذا ينافي مقاصد التكليف ، وهي من مقاصد الشارع - سبحانه وتعالى - ، فإذا عُني بقول المصنف ـ يرحمه الله ـ ( بالأدلة ) أنها تعود على أصول الدين ، فسبق أنه إما أن يُقصد بأصول الدين ما يقع به الدخول في الدين والخروج من دائرة الكفر ، أو أن يقصد به معنى أوسع فيدخل فيه المسائل القطيعة ، مما يسمى بالمسائل العقائدية ، المتعلقة بالإيمان بالله وكتبه إلى آخره ، ولكُلٍّ حكم .

وبذلك يتبين صواب ما عليه جماهير الأمة ، ويُحْمَل كلام المصنف ـ يرحمه الله ـ على محمل حسن ؛ إذ إنه من أئمة أهل السنة والأثر ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ .

وأما المعنى الثاني: الذي يحتمل أن تدخل عليه كلمة ( الأدلة ) : أن يقصد بالأدلة: الأدلة المتعلقة بالدين كله فروعه وأصوله ، فيجب على كل مكلف ومكلفة حر وعبد ألا يعمل شيئًا إلا بدليل ، فلا يحرك إصبعه في تشهده إلا إذا عرف الدليل عليه ، ولا يضع يديه قابضًا إياها حال قيامه في صلاته إلا لدليل عليه ، إلى غير ذلك ، وهذا القول لم يقل به أحد ، إنما هو قول مشهور عزوه إلى الظاهرية ، ولا يدل على صحة عزوه للظاهرية أدلة معتبرة ، سوى أنه محكي عن الظاهرية .

ويدل على عدم صحته عن الظاهرية دلالتان:

أما الدلالة الأولى: فما ذكره ابن الأمير الحاج ـ يرحمه الله ـ حيث بين أنه لا يصح ذلك نسبة إلى الظاهرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت