وأما الدلالة الثانية: فهي ما ذكره ابن حزم ـ رحمه الله ـ في: (( الإحكام في أصول الأحكام ) )، وهو من كتب أصول الفقه عند الظاهرية ، وابن حزم رأس في الظاهرية ، فقرر: ( أنه لا يجب معرفة المسائل بأدلتها في فروع الدين ، فضلًا عن أصول الدين ) هذا هو لفظه في كتابه ، ومن ثم يستدل بعبارته على عدم صحة النسبة إلى الظاهرية ، ولو كان ثم قول لهم لبينه وانتصر له ، أو قرره لأنه رأس لهم ، فهاتان الدلالتان تدلان على ما سبق ذكره ، ومن ثم فلا يصح أن يقال المعرفة لا بد أن تكون بالأدلة - لا في أصول الدين ولا فروع الدين - وإنما يقال الاجتهاد في ذلك جائز والتقليد في ذلك جائز ، وأما أن يقال يجب على المقلد أن يجتهد في أصول الدين ، أو في فروعه فهذا تكليف بما فوق طاقة الناس ، ولم يقم عليه دليل معتبر يعول عليه ؛ لأن التقليد له حقيقة قررها الأصوليون وغيرهم ، وحقيقته هي: ( قبول الشيء بدون معرفة حجته ودليله ) ، هذا هو التقليد ، فلو أن زيدًا من الناس ذهب إلى عالم وسأله عن مسألة من مسائل الدين فأخبره بالحكم ، ولم يَقرِن مع الحكم دليله ؛ فإن هذا السائل إذا أخذ بالحكم دون معرفة دليله وحجته ، يسمى في اصطلاح العلماء: بالمقَلِّد ، وفعله يسمى: بالتقليد ، وأما الاجتهاد فمرتبة عالية وهذه ـ أعني رتبة الاجتهاد ـ هي ( معرفة الشيء بدليله ووجه استنباطه ، وما إلى ذلك مما يتعلق بحقيقة الاجتهاد ) فإذا قيل لا بد من معرفة الشيء بدليله في أصول الدين ، أو في فروع الدين ، أو في العقائد بمسائلها ، فمعناه أنه لا يجوز التقليد في أصول الدين ، ولا في مسائل العقيدة ، وهذا قول مخالف لما عليه جماهير الناس واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ يرحمه الله ـ: أنه لا يقال الاجتهاد واجب على الناس كلهم ، ولا يقال التقليد واجب على الناس كلهم ، وإنما يقال الاجتهاد جائز، والتقليد جائز ، والحكم يدور مع القدرة وعدمها ؛ لأن الناس أجناس ، فمنهم من