الصفحة 127 من 136

وجاء وقت فتح العنابر بعد ساعات وطلبت من السجانة مقابلة المأمور وعادت بعد ساعة تدعونا إلى مكتب المأمور. . صراع من نوع جديد دخلت أنا وحميدة على المأمور فقال لنا: الكانتين ممنوع والزيارة ممنوعة، وليس لكما أي حق من حقوق المساجين. أنتما (تكدير) حتى نؤمر بأوامر أخرى. فاهمين!

قلت له: إننا لم نطلب مقابلتك لهذا الأمر ولكن جئنا لنسألك. . فقال مقاطعا: أنتم طلبتم مقابلتي؟ قلت: نعم، إننا نطلب تغيير الزنزانة.

وطلبت حميدة: حجرة لها باب لا قفص حيوانات.

قال: إيه الكلام ده؟ حا نرجعكم إلى السجن الحربي تاني وتشوفوا اللي شفتوه؟! قلت: نحن لا نستطيع البقاء في هذا المكان الذي لا يليق بالحيوان. قال المأمور: أنا مأمور وده سجن. وأنتم مسجونون. وما فيش غير كده. ثم وقف وصاح اتفضلوا اخرجوا!

قلت: سنظل في فناء السجن ولن نعود إلى هذه الحجرة أبدا. . وليكن ما يكون. .

قال: السجن سجن وإذا ما كنتوش حا تنفذوا الأمر سنطلق عليكم الرصاص فورا. قلت: القتل أهون من هذا العيش والآجال بيد الله سبحانه، وقتلكم لنا شهادة. فأخرجنا من مكتبه وتركنا في حوش السجن.

وبعد فترة نادى المأمور الباش سجانة قائلا لها: وديهم يا سعاد على الملاحظة.

وقالت سعاد: ألف مبروك حا تقعدوا في الملاحظة. وصعدنا درجات لسلم الملاحظة، ودخلنا إلى عنبر واسع به عشرون سريرا للسجينات، وبعد ساعة جاءت السجانة المختصة بالملاحظة وقالت تعالوا، الإيراد جه، ولم نفهم مقصدها، غير أنها أخذتنا وأوقفتنا في صف من النساء يسمى الإيراد. والإيراد هو قطيع من البشر الحائر في مجتمع ضاعت فيه القيم والمعاني فهوى إلى الرذيلة، إلى هوة سحيقة، فجيء به إلى السجون. . وسمعت السجانة تقف على باب حجرة وتصيح: الإيراد النهاردة خمسة وأربعين، خمسة وعشرين تسول، خمستاشر دعارة، وثلاثة سرقة واثنين سياسيين. . تعنى بالسياسيين أنا وحميدة.

خرجنا من ذلك الطابور، وأخذت حميدة معي فقالت السجانة رايحين فين؟! انتظروا لما ييجي دوركم.

قلت لها: سنقف وحدنا، ولسنا من هذا الإيراد قالت: بتقولي إيه يا ادلعدي؟ قلت: سنقف وحدنا. قالت: معلهش، ودول مش خلق الله زيكم؟! لم أجبها ولزمنا الصمت، أخذت السجانة في إدخال البشرية الضالة إلى حجرة ثم جاءت إلينا تقول: الست الدكتورة أمرت أن تجلسوا حتى تنتهي وتدخلوا إليها. ولما فرغت الطبيبة استدعتنا ودخلنا فسألتنا عن الاسم والسن وما نشكو منه، ثم أخذونا إلى حجرة وأغلقوا علينا بابها. ولم يمض وقت طويل حتى ارتفع الصراخ وعلا البكاء وساد الجميع حزن ووجوم وتحسسنا الخبر حدث؟! قالوا: النكسة!

وحدثتني نفسي حديثا طويلا: وأي نكسة تلك يا ترى؟! من لك أيها الشعب المسكين! ما اكثر نكساتك! لقد تعددت فما أعظمها! وما أعمقها وما أقساها! لقد أصابت شعبنا نكسات ونكسات: نكسة في الخلق. نكسة في الرجال. نكسة في. .، وأخيرا نكسة 5 يونيو!!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت