أفقت .. يا إلهي .. إنني ما زلت على الأرض أمامهم جثة هامدة. . إنهم أسعفوني .. وبصعوبة شديدة حاولت النظر في الحاضرين. . فإذا بجمال عبد الناصر يتكئ على كتف عبد الحكيم عامر ويمسك في يده نظارة سوداء.
عندما رأيت جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، نسيت ألمي، ودبت في جسدي يقظة غريبة، وانتابني نشاط غريب!!
أعطوني كوبا من عصير الليمون فشربته، رفعوني من فوق الأرض على مقعد، ثم أحضروا لي فنجان قهوة فلم أتردد في تناوله.
كان إحساسي بان هناك شيئا خطيرا سيحدث، فكل ما يدور حولي يقوى عندي هذا الإحساس.
وقال شمس بدران؟ هو ينفخ: يا بنت يا زينب، أريد أن تجيبي على كل سؤال أوجهه إليك بصراحة وإلا. .!!
افترضي يا زينب أن الإخوان المسلمين هم الذين يحكمون البلد، وأننا نقف أمامكم تحاكموننا، فماذا كنتم تفعلون بنا؟
فأجبت في قوة وشجاعة: نحن لا نسكن في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ولا نلوث أيدينا بما لوث به الظالمون أيديهم، نحن لانغمس أيدينا في الدم. . ' نحن لا نجلس في مقاعد طواغيت الأرض. , فقال: اخرسي! أنا باسألك، إن كنت جالسة على هذا الكرسي مكاني ماذا كنت تفعلين معي؟
فقلت: نحن طلاب حقيقة، ليس في حسابنا أن نصل إلى الحكم، إننا حملة لواء"لا إله إلا الله"نفتديه بالأموال والأرواح.
فقال شمس بدران: اخرسي يا بنت الـ. .. أنا اكرر لك السؤال. ماذا كنتم تفعلون لو وصلتم إلى ا أ؟
فقلت: إننا لسنا طلاب حكم!. . ولا يعنينا أن نكون في قمة المسئولية أو عند السفح حراسا للطريق المؤدى إلى الرجل الذي حمل الأمانة وبايعته الأمة، عبدا لله حاكما بما أنزل الله ولتكن هذه الدار دار البعث. . البعث الإسلامي. فصرخ شمس بدران متشنجا: اخرسي. . اخرسي. . اخرسي؟! أريد إجابة واحدة: افترضي أنك جلست على الكرسي الذي أجلس عليه الآن ماذا تفعلين معي وأنا متهم أمامك. .؟ فقلت: ربما تنتهي أجيال وأجيال حتى يحكم الإسلام، نحن لا نتعجل الخطى، ويوم يحكم الإسلام ستكون مواقع المرأة المسلمة في مملكتها الطبيعية لتربى رجال الأمة. فقال شمس بدران كتائه يضرب في الصحراء في يوم عاصف: يا بنت الـ. . . أنا أقول افترضي جدلًا أنك جالسة مكاني ماذا تفعلين معي؟
فقلت: الإسلام عدل ورحمة، فلا سياط ولا قتل، ولا تعذيب ولا سجون، ولا نفى، ولا دفن للأحياء، ولا تمزيق لأجساد الشهداء: رفعت بكر وعواد وإسماعيل الفيومي. . لا تشريد أطفال، ولا ترمل نساء، لا فراعنة ولا وثنية. . ولكن الحق والعدل. . الكلمة تواجهها الكلمة والحجة تواجهها الحجة. . صرخ شمس كالصريع: اخرسي. . اخرسي. . علقها يا صفوت اجلدها. وعلقني صفوت، وعلى لفائف الشاش، أخذت السياط المجنونة تهوى على كل جزء في جسمي، والدم ينزف. . ولا أدري كم من الوقت مر. . فقد رأى الطبيب إنزالي وقال: إن حالتها خطيرة. . إنها تموت يا معالي الباشا!!
قال شمس: في ستين داهية.
قال أحد الضباط: إننا نريد أن تكون حية حتى تقف أمام المحكمة!!
فقال شمس بدران: نعم، نعم نريدها تعيش لتذهب إلى المحكمة ويتفرج عليها الشعب وتكون عبرة.
وقال الطبيب: إننا في حاجة إلى أدوية وعقاقير غير موجودة!!
فقال شمس بدران: اطلبها من صيدلية المشير عامر!!
ونقلت إلى المستشفى ولم أدر ماذا حدث في تلك الليلة، فقد رحت في غيبوبة أفقدتني الإحساس بالألم ' كما أفقدتني الاستمتاع باسترجاع الحوار مع شمس بدران على مسمع من جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، لقد قلت ما أردت أن يعرفه. . وقد عرفه!!