ومن هنا تحطمت كل الحظارات المادية (الجسدية) ابتداء من أثينا وروما وحضارة فارس وانتهاء بالحضارة الأوروبية الحديثة، وكذلك تحطمت الكنيسة على صخرة الفطرة الإنسانية لأنها أرادت أن تسير الإنسان على حافة الروح وحدها، فعجزت عن مواكبة الحياة وتخلفت وانزوت بين جدرانها الأربعة، شأنها شأن البوذية والهندوكية... إذ أن الجسد البشري يخضع للتشريح والقياس والفحص، وتستطيع الأجهزة البشرية أن تعمل على هذا الجسد، ومن هنا فقد أبدع الإنسان في عالم الجسد والتشريح والطب.
أما الروح فإنها لا تخضع لمقاييس الإنسان، ولا توزن بالكيلو غرامات ولا تقاس بالأمتار ولا تعرف بالباروميتر، ومن هنا لا يستطيع الإنسان أن يقدم لها ما يصلحها.
(ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم ممن العلم إلا قليلا)
(الإسراء: 85)
ولذا فكل المحاولات لإسعاد الروح الشقية -عن غير طريق خالقلها- باءت بالفشل، فالتعامل مع الروح بدون هدى من الله كمن يتكلم مع عجوز صينية باللغة العربية الفصحى، لن تفقه منه شيئا ولن تستفيد، وكذلك علاج الروح دون معرفة سر شقائها عبث وزيادة لشقائها.
والروح لن ترتاح إلا بإشباعها، ولن تشبع إلا بمنهاج ربها وعبادته والإتصال به والأنس بحضرته وجلاله.
(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)
(الرعد: 28)
إن أنعم إنسان في الأرض إذا جاعت معدته وأخذت تتلوى من ألم الجوع فلن يسكتها القناطر الذهبية، ولا الهتافات الشعبية، ولا العمارات الشاهقة ولا السيارات الفارهة... لن يشبعها إلا قليل من الطعام يدخلها فيسكن الألم الذي يعتصرها، وذلك لأن منهاج ربها في إشباعها هو الطعام.
وكذلك الروح الجائعة لن تشبعها الدنيا بكاملها لو عرضت عليها، لأن منهاج ربها في الإشباع هو العبادة والذكر.
إن الراحة النفسية التي يؤمنها المنهج الإلهي للنفس البشرية لا توصف.