الصفحة 9 من 59

ومما يدل دلالة ظاهرة أيضًا على أن الإنسان قد يكفر وهو لا يشعر، أي وهو لا يعلم بأن فعله كفر، قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} [الحجرات: 2] .

فقد بيّن الله تعالى أن هذا الرفع والجهر بالصوت، قد يُفضي إلى حبوط العمل وصاحبه لا يشعر ولا يعلم، وحبوط الأعمال إنما يكون بالكفر كما قال تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم} [البقرة: 217] . وقال تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} [المائدة: 5] . وقال تعالى: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} [الأنعام: 88] .

إلى غير ذلك من الآيات، فقد ثبت كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أن رفع الصوت فوق صوت النبي والجهر له بالقول يُخاف منه أن يكفر صاحبه وهو لا يشعر ويحبط عمله بذلك، وأنه مظنة لذلك وسبب فيه) أهـ. من الصارم المسلول (ص55) .

فلا يلزم أو يشترط دائمًا كي يكفر المرء أن يكون عالمًا بأن فعله مكفّر كما قد ذكر المصنف، وإنما اشترط العلماء ذلك في تكفير من كان عنده أصل الإسلام، وأخطأ في بعض المسائل الخفية أو المشكلة التي تحتاج إلى بيان ولا تعرف إلا من طريق الحجة الرسالية، وإلا فقد ذكر الله تعالى في كتابه عن كثير من الكفار أنهم كفروا وهم يحسبون أنهم مهتدون، ويقولون: (إنما نحن مصلحون) و (إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا) .

وذكر تعالى أن أكثرهم لا يعلمون وأنهم جاهلون.

وقال تعالى: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا} [الكهف: 104] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت