من أهم سمات العصر الحديث - الذي أقصي فيه الإسلام عن الحكم والقيادة، وقادت فيه الجاهلية البشرية - أنه عصر"التغير الدائم والتطور المطلق".
لقد أطلق الفلاسفة والمفكرون هناك - في بلاد الغرب - دعوات عالية، دعوا فيها الناس إلى الثورة، الثورة على كل ثابت، ومحاربة ما تعارفوا عليه من الثوابت. وكانوا يقصدون من ذلك الثورة على"الدين الكنسي النصراني"بسبب الصراع العنيف المرير الذي جرى بينهم وبين الكنيسة، والذي أدى إلى انتصارهم على الكنيسة، وإقصائها عن القيادة والتوجيه، والكفر بما تقدمه من أفكار وتصورات.
لقد ثأروا هناك على كل شيء ثابت، فقاموا بتغيير تلك الثوابت التي عاشها أجدادهم قرونًا، والتي تواضعت البشرية على اعتبارها في مسيرتها الحياتية عبر القرون.
غيروا الروابط والصلات، وغيروا الفضائل والأخلاق، وغيروا الآداب والسلوكيات. حذفوا من"قاموسهم الحياتي"مصطلحات: العفة والعيب، والحلال والحرام، والطهارة والرفعة. . وبذلك انفلتوا من القيود والضوابط، وتحولت مجتمعاتهم إلى"ماخور"كبير، يمارسون فيه شهواتهم ومجونهم بحيوانية مرذولة، تتعفف عنها حيوانات الغابة!
وأدى"انفلات"الضوابط والقيود عندهم، وزعم"التغير والتطور"الذي اعتقدوه، إلى أن أصبحت حياتهم عجيبة غريبة، ينظر لها المسلم البصير، فيعجب منهم، ويأسى لهم، ويشفق عليهم، ويرثي لحالهم، وينطق بصوت مشفق:"يا حسرة على العباد!".
صورة فنية ساخرة يرسمها سيد قطب للبشرية المنفلتة:
وأقدم هذه الصورة الفنية الساخرة التي رسمها للبشرية المنفلتة في بلاد الغرب، المصور المبدع الشهيد سيد قطب عليه رحمة الله:
"لقد تركت البشرية الأصل الثابت، وأفلت زمامها من كل ما يشدها إلى محور. وأصبحت أشبه بجرم فلكي خرج عن مداره، وفارق محوره الذي يدور عليه في هذا المدار. ويوشك أن يصطدم فيدمر نفسه، ويصيب الكون كله بالدمار: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ) [سورة المؤمنين: 71] ."
والعاقل"الواعي"الذي لم يأخذه الدوار الذي يأخذ البشرية اليوم. حين ينظر إلى هذه البشرية المنكودة، يراها تتخبط في تصوراتها، وأنظمتها، وأوضاعها، وتقاليدها، وعاداتها، وحركاتها كلها، تخبطًا منكرًا شنيعًا. . يراها تخلع ثيابها وتمزقها كالمهووس! وتتشنج في حركاتها وتتخبط وتتلبط كالممسوس. . يراها تغير أزياءها في الفكر والاعتقاد، كما تغير أزياءها في الملابس، وفق أهواء بيوت الأزياء! يراها تصرخ من الألم، وتجري كالمطارد، وتضحك كالمجنون، وتعربد كالسكير، وتبحث عن لا شيء! وتجري وراء أخيلة، وتقذف بأثمن ما تملك، وتحتضن أقذر ما تمسك به يداها من أحجار وأوضار! لعنة! لعنة كالتي تتحدث عنها الأساطير!
إنها تقتل"الانسان"وتحوله إلى آلة. . لتضاعف الإنتاج.
إنها تقضي على"مقوماته الانسانية"وعلى إحساسه بالجمال والخُلق والمعاني السامية، لتحقيق الربح لعدد قليل من المرابين وتجار الشهوات، ومنتجي الأفلام السينمائية وبيوت الأزياء!