أزمتنا أزمة ثوابت:
لا يشك أحد في أن المسلمين المعاصرين، يواجهون أخطر التحديات التي مرت بهم في تاريخهم كله، حيث وقفوا أمام التحدي العالمي الكبير، والكيد العالمي الحاقد، والغزو الفكري الشرس، وأخطر ما في ذلك التحدي، وأشرس ما في ذلك الغزو، هو الخطر اليهودي الماحق.
لقد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تصويره الخطر الذي يهدد هؤلاء المسلمين. وذلك في ما رواه أبو داود عن ثوبان - مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله: وما هو الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت" [1] .
وفي هذا التحدي العالمي الكبير، والغزو الفكري الخطير، نجد رحى الإسلام ومواقعه دائرة.
ونحن مطالبون أن نكون مع الإسلام، في رحاه ومعاركه ومواقعه، وأن نثبت عليه، وأن ندور معه حيث دار.
وقد دلنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذا الثابت الأساسي، وأوصانا فيه بوصية جامعة. فقد روى"معاذ بن جبل"رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا صار رشوة على الدين فلا تأخذوه، فلا تأخذوه، ولستم بتاركيه، فيمنعكم من ذلك المخافة والفقر. ألا إن رحا الإيمان دائرة، فدوروا مع الكتاب حيث يدور، ألا وإن السلطان والكتاب سيفترقان، ألا فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء، إن أطعتموهم أضلوكم، وإن عصيتموهم قتلوكم! قالوا: فكيف نصنع يا رسول الله؟ قال كما صنع أصحاب عيسى، حملوا على الخشب، ونشروا بالمناشير! موت في طاعة الله، خير من حياة في معصية الله" [2] .
إننا لا نجتاز هذه المرحلة، ولا نتجاوز هذه المحنة، ولا ننجح في هذا التحدي، إلا بالثوابت، بمعرفتها وملاحظتها ومعايشتها والثبات عليها والانطلاق منها.
وسوف نجتاز هذه المحنة الخطيرة - بإذن الله - كما اجتاز أسلافنا المحن السابقة، وسيخرج الاسلام - بإذن الله - من هذه المحنة أصيلا صافيًا طافرًا منتصرًا، كما حصل في السابق!
من مزايا هذه الثوابت:
توفر للثوابت الاسلامية، ما لم يتوفر لغيرها من القواعد والأسس، من مزايا وسمات وخصائص، وذلك بفضل التميز والتفرد الملحوظين في الدين الإسلامي العظيم.
من مزايا هذه الثوابت للمسلم المعاصر:
(1) سنن أبي داود. كتاب الملاحم رقم (36) . باب في تداعي الأمم على الإسلام رقم (5) . حديث رقم 4297.
(2) رواه إسحاق، ورواه أحمد بن منيع. وقال البوصيري: رواة أحمد بن منبع ثقات. انظر"المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية"لابن حجر العسقلاني. تحقيق عبد الرحمن الأعظمي: 4: 267 - 268. حديث رقم: 4408.