طريق الدعوة
في ظلال القرآن
للشيخ
أحمد فائز الحمصي
حفظه الله
إن الجاهلية ليست فترة ماضية من فترات التاريخ، إنما الجاهلية كل منهج تتمثل فيه عبودية البشر للبشر. وهذه الخاصية تتمثل اليوم في كل مناهج الأرض بلا استثناء. ففي كل المناهج التي تعتنقها البشرية اليوم يأخذ البشر من بشر مثلهم التصورات والمبادئ والموازين والقيم والشرائع والقوانين والأوضاع والتقاليد. وهذه هي الجاهلية بكل مقوماتها. الجاهلية التي تتمثل فيها عبودية البشر للبشر، حيث يتعبد بعضهم بعضا من دون الله ..
والإسلام هو منهج الحياة الوحيد الذي يتحرر فيه البشر من عبودية البشر، لأنهم يتلقون التصورات والمبادئ والقوانين والقيم والشرائع والقوانين والتقاليد من يد الله سبحانه. فإذا أحنوا برؤوسهم فإنما يحنونها لله وحده، وإذا أطاعوا الشرائع فإنما يطيعون الله وحده. وإذا خضعوا للنظام فإنما يخضعون لله وحده. ومن ثم يتحررون حقًا من عبودية العبيد للعبيد حين يصبحون كلهم عبيد الله بلا شريك. وهذا هو مفرق الطريق بين الجاهلية في كل صورها وبين الإسلام.
ولقد سرت عبودية المادة في كل مكان في الجاهلية المعاصرة، فغدت الحياة كلها في سبيل المادة والقيم المادية ليست هي التي تحدد مكان الناس في هذه الأرض .. في الحياة الدنيا فضلا عن مكانهم في الحياة الآخرة .. إن الأرزاق المادية والتيسيرات المادية والقيم المادية يمكن أن تصبح من أسباب شقوة البشرية، لا في الآخرة المؤجلة وحدها، ولكن في هذه الحياة الواقعة كما نشهد اليوم في حضارة المادية الكالحة .. إنه لا بد من قيم أخرى تحكم الحياة الإنسانية وهذه القيم الأخرى هي التي يمكن أن تعطي الأرزاق المادية والتيسيرات المادية قيمتها في حياة الناس وهي التي يمكن أن تجعلها مادة سعادة وراحة لبني الإنسان (قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) .. إن المنهج الذي يحكم حياة مجموعة من البشر هو الذي يحدد قيمة الأرزاق المادية في حياتهم، هو الذي يجعلها عنصر سعادة أو عنصر شقاء. ومن هنا كان التركيز على قيمة هذا الدين ..
وهذا الصياح المستمر بتضخيم المادية والإنتاج المادي. بحيث يطغي الانشغال به على حياة الناس وتفكيرهم وتصوراتهم كلها. وبحيث يتحول الناس إلى آلات تلهث وراء هذه القيمة. وتعدها قيمة الحياة الكبرى. وتنسى عاصفة الصياح المستمر .. الإنتاج .. الإنتاج .. كل القيم الروحية والأخلاقية .. تدارس هذه القيم كلها في سبيل الإنتاج المادي. هذا الصياح ليس بريئًا. إنما هو خطة مدبرة لإقامة أصنام تعبد بدل أصنام الجاهلية الأولى، وتكون لها السيادة على القيم جميعا. وعندما يصبح الإنتاج المادي صنما يكدح الناس حوله، يطوفون به في قداسة الأصنام. فإن كل القيم والاعتبارات الأخرى تداس في سبيله وتنتهك .. الأخلاق والأسرة .. الأعراض والحريات .. الضمانات كلها إذا تعارضت مع توفير الانتاج يجب أن تداس .. فماذا تكون الأرباب والأصنام إن لم تكن هي هذه؟ إنه ليس من الحتم أن يكون الصنم حجرًا أو خشبا فقد يكون قيمة واعتبارا ولافتة ولقبًا.
إن القيمة العليا يجب أن تبقى لفضل الله ورحمته المتمثلتين في هداه ومنهجه الذي يشفي الصدور ويحرر الرقاب ويعلي من القيم الإنسانية في الإنسان. وفي ظل هذه القيمة يمكن الانتفاع برزقه الذي أعطاه للناس في الأرض. وبدون القيمة العليا لمنهج الله وسيادته تصبح الأرزاق والتيسيرات المادية والإنتاج لعنة يشقى بها الناس لأنها تستخدم في إعلاء القيم الحيوانية والآلية على حساب القيم الإنسانية العلوية.