الصفحة 40 من 306

إن هذا القرآن يربي الفرد المسلم على أساس إخلاص ولائه لربه ورسوله وعقيدته وجماعته المسلمة، وعلى ضرورة المفاصلة الكاملة بين الصف الذي يقف فيه، وكل صف آخر لا يرفع راية الله، ولا يتبع قيادة رسول الله، ولا ينضم إلى الجماعة التي تمثل حزب الله، وإشعاره أنه موضع اختيار الله ليكون ستارا لقدرته وأداة لتحقيق قدره في حياة البشر، وفي وقائع التاريخ.

وإن هذا الاختيار بكل تكاليفه فضل من الله يؤتيه من يشاء وأن موالاة الجماعة غير المسلمين معناه الارتداد عن دين الله. والنكول عن هذا الاختيار العظيم، والتخلي عن هذا التفضل الجميل فالولاء لله (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) .. هكذا على وجه القصر الذي لا يدع مجالا لتأول، ولا يترك فرصة لتمييع الحركة الإسلامية أو تمييع التصور .. ولم يكن بد أن يكون الأمر كذلك. لأن المسألة في صميمها هي مسألة العقيدة، ومسألة الحركة بهذه العقيدة، وليكون الولاء خالصا لله، والثقة به مطلقة، وليكون الإسلام هو (الدين) وليكون الأمر أمر مفاصلة بين الصف المسلم وبين سائر الصفوف التي لا تتخذ الإسلام دينا. ولا تجعل الإسلام منهجا للحياة، ولتكون للحركة الإسلامية جدّيتها ونظامها، فلا يكون الولاء فيها لغير قيادة الله ورايته. ولا يكون التناصر إلا بين العصبة المؤمنة، لأنه تناصر في المنهج المستمد من العقيدة .. ولكن حتى لا يكون الإسلام مجرد عنوان أو مجرد راية وشعار، أو مجرد كلمة تقال باللسان، أو مجرد نسب ينتقل بالوارثة، أو مجرد وصف يلحق القاطنين في مكان .. فإن البيان الإلهي يذكر بعض السمات الرئيسية للذين آمنوا (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) ..

وهذه ملابسة مثيرة لكل من له حمية المؤمن، الذي لا يرى لنفسه كرامة إذا أهين دينه، وأهينت عقيدته، وأهينت صلاته، واتخذ موقفه بين ربه مادة للهزء واللعب. فكيف يقوم ولاء بين الذين آمنوا وبين أحد من هؤلاء الذين يرتكبون هذه الفعلة، ويرتكبونها لنقص في عقولهم، فما يستهزئ بدين الله وعباده المؤمنين إنسان سوي العقل.

ولقد كان الاستهزاء واللعب يقع من الكفار وأهل الكتاب في الفترة التي كان القرآن يتنزل فيها على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ولكن الله سبحانه يضع للجماعة المسلمة قاعدة تصورها ومنهجها، وحياتها الدائمة، وكان الله سبحانه يعلم ما سيكون على مدار الزمان مع أجيال المسلمين.

وها نحن أولاء رأينا أن أعداء هذا الدين وأعداء الجماعة المسلمة على مدى التاريخ أمس واليوم هم هم. قد ناصبوا العداء للإسلام وترصدوه القرآن تلو القرون. وحاربوه حربا لا هوادة فيها. وقد قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُوا اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت