الصفحة 8 من 306

إن الذي يضع خطة الرحلة للطريق كله، هو الذي يدرك الطريق كله. والإنسان محجوب عن رؤية هذا الطريق. بل هو محجوب عن اللحظة التالية، ودونه ودونها ستر مسبل لا يباح لبشر أن يطلع وراءه. فأنّى للإنسان أن يضع الخطة لقطع الطريق المجهول؟ إنه إما الخبط والضلال والشرود وإما العودة إلى المنهج المستمد من خالق الوجود. فليس لأحد من خلق الله أن يشرع غير ما شرعه الله وأذِنَ به كائنا من كان. فالله وحده هو الذي يشرع لعباده بما أنه سبحانه هو مبدع هذا الكون كله، ومدبره بالنواميس الكلية الكبرى التي اختارها له. والحياة البشرية إن هي إلا ترس صغير في عجلة هذا الكون الكبير، فينبغي أن يحكمها تشريع يتمشى مع تلك النواميس، ولا يتحقق هذا إلا حين يشرع لها المحيط بتلك النواميس. وكل من هو عدا الله فهو قاصر عن تلك الإحاطة بلا جدال. فلا يؤتمن على التشريع لحياة البشر مع ذلك القصور .. ومع وضوح هذه الحقيقة إلى حد البداهة فإن الكثيرين يجادلون فيها أو لا يقتنعون بها. وهم يجرأون على إستمداد التشريع من غير ما شرع الله زاعمين أنهم يختارون الخير لشعوبهم ويوائمون بين ظروفهم والتشريع الذي ينشئونه من عند أنفسهم كأنما هم أعلم من الله وأحكم من الله، أو كأنما لهم شركاء من دون الله يشرعون لهم ما لم يأذن به الله. وليس أخيب من ذلك ولا أجرأ على الله (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ) .

لقد شرع الله للبشرية ما يعلم سبحانه أنه يتناسق مع طبيعتها وقطرتها، ومن ثم يحقق لهذه البشرية أقصى درجات التعاون فيما بينها والتعاون كذلك مع القوى الكونية الكبرى شرع في هذا كله أصولا. وترك للبشر فقط استنباط التشريعات الجزئية المتجددة مع حاجات الحياة المتجددة، في حدود المنهج الكلي والتشريعات العامة. فإذا ما اختلف البشر في شيء من هذا ردوه إلى الله ورجعوا به إلى تلك الأصول الكلية التي شرعها للناس لتبقى ميزانًا يزن به البشر كل تشريع جزئي وكل تطبيق. بذلك يتوحّد مصدر التشريع ويكون الحكم لله وحده وهو خير الحاكمين، وما عدا هذا المنهج فهو خروج على شريعة الله وعلى دين الله .. لذلك لا بد من الأمر بالمعروف وهو الاعتراف بسلطان الله ومنهجه للحياة، والنهي عن المنكر الأكبر وهو رفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة .... وبعد إقامة الأساس يمكن أن يُقام البنيان. فلتوفر الجهود المبعثرة إذن ولتحشد كلها في جبهة واحدة لإقامة الأساس الذي عليه وحده يقام البنيان ..

وإن الإنسان ليرثي أحيانا ويعجب لأناس طيبين ينفقون جهدهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفروع بينما الأصل الذي تقوم عليه حياة المجتمع المسلم ويقوم عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقطوع. فما غناء أن تنهي الناس عن أكل الحرام مثلا في مجتمع يقوم اقتصاده كله على الربا. فيستحيل ماله كله حرامًا، ولا يملك فرد أن يأكل من حلال .. لأن نظامه الاجتماعي والاقتصادي كله لا يقوم على شريعة الله، لأنه ابتداء يرفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت