الصفحة 9 من 306

ليس الدين كما يحدده الله سبحانه ويريده ويرضاه، هو كل اعتقاد في الله .. إنما هي صورة واحدة من صور الاعتقاد فيه سبحانه. صورة التوحيد المطلق الناصع القاطع: توحيد الألوهية التي يتوجه إليها البشر كما تتوجه إليها سائر الخلائق في الكون، بالعبودية وتوحيد القوامة على البشر، وعلى الكون كله. فلا يقوم شيء إلا بالله تعالى. ولا يقوم على الخلائق إلا الله تعالى. ومن ثم يكون الدين الذي يقبله الله من عباده هو الإسلام (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) . فالإسلام هو الدين، وهو في هذه الحالة: الاستسلام المطلق للقوامة الإلهية، والتلقي من هذا المصدر وحده في كل شيء من شؤون الحياة والتحاكم إلى كتاب الله المنزل من هذا المصدر. فهو ليس مجرد دعوى وليس مجرد راية، وليس مجرد كلمة تقال باللسان. ولا حتى تصورًا يشتمل عليه القلب في سكون، ولا شعائر فردية يؤديها الأفراد في الصلاة والحج والصيام .. لا .. فهذا ليس بالإسلام الذي لا يرضى الله من الناس دينا سواه. إنما الإسلام: الاستسلام.

الإسلام: الطاعة والإتباع. الإسلام تحكيم الله في أمور العباد. وإن هذا النص القرآني ليحدد مدلول كلمة الدين تحديدا دقيقا (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) : إنه يعني نظام الملك وشرعه وبهذا يعبر القرآن الكريم عن النظام والشريعة بأنها الدين .. هذا المدلول القرآني الواضح هو الذي يغيب في جاهلية القرن العشرين عن الناس جميعًا، سواء منهم من يدعون أنفسهم مسلمين وغيرهم من الجاهليين. إنهم يقصرون مدلول الدين على الاعتقاد والشعائر ويعدون كل من يعتقد وحدانية الله وصدق رسوله ويؤمن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ويؤدي الشعائر المكتوبة .. داخلًا في دين الله مهما تكن دينونته بالطاعة والخضوع وإقراره بالحاكمية لغير الله من الأرباب المتفرقة .. بينما النص القرآني هنا يحدد مدلول (دين الملك) بأنه نظام الملك وشريعته .. وكذلك (دين الله) فهو نظامه وشريعته .. إن مدلول دين الله قد هزل وانكمش حتى صار لا يعني في تصور الجماهير الجاهلية إلا الاعتقاد والشعائر .. ولكنه لم يكن كذلك يوم جاء هذا الدين منذ آدم ونوح إلى محمد عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين. ولقد كان يعني دائما: الدينونة لله وحده، ورفض ما يشرعه غيره وإفراده سبحانه بالألوهية في الأرض مثل أفراده بالألوهية في السماء وتقرير ربوبيته وحده للناس: أي حاكميته وشرعه وسلطانه وأمره، وكان مفرق الطريق دائمًا بين من هم في (دين الله) ومن هم في (دين الملك) . إن الأوليين يدينون نظام الله وشرعه وحده وإن الآخرين يدينون نظام الملك وشرعه أو يشركون فيدينون لله في الاعتقاد والشعائر. ويدينون لغير الله في النظام والشرائع. وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة. ومن بديهيات العقيدة الإسلامية تمامًا ..

وبعض المترفقين بالناس اليوم يتلمسون لهم عذرا في أنهم يجهلون مدلول كلمة (دين الله) وهم من ثم لا يَصرون، ولا يحاولون تحكيم شريعة الله وحدها بوصفها هي الدين وأن جهلهم هذا بمدلول الدين يعفيهم من أن يكونوا جاهليين مشركين.

وأنا لا أتصور كيف جهل الناس ابتداء بحقيقة هذا الدين يجعلهم في دائرة هذا الدين. إن الاعتقاد بحقيقة فرع عن معرفتها. فإذا جهل الناس حقيقة عقيدة فكيف يكونون معتنقين لها؟ وكيف يحسبون من أهلها وهم لا يعرفون ابتداء مدلولها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت