إنها العقدة الدائمة التي ترى مصداقها في كل زمان، وفي كل مكان. إنها هي العقيدة .. هذه هي حقيقة المعركة التي يشنها اليهود والنصارى في كل أرض وفي كل وقت ضد الجماعة المسلمة .. إنها معركة العقيدة .. إنها معركة العقيدة في صميمها وحقيقتها، ولكن هؤلاء يلوذونها بألوان شتى. ويرفعون عليها أعلاما شتى في خبث ومكر وتورية. إنهم قد جربوا حماسة المسلمين لدينهم وعقيدتهم حين يواجهونهم تحت راية العقيدة. ومن ثم استدار الأعداء العريقون فغيروا أعلام المعركة. لم يعلنوها حربا باسم العقيدة -على حقيقتها- خوفا من حماسة العقيدة وجيشانها. إنما أعلنوها باسم الأرض، والاقتصاد والسياسة والمراكز العسكرية وما إليها. وألقوا في روع المخدوعين الغافلين منا أن حكاية العقيدة قد صارت قديمة لا معنى لها، ولا يجوز رفع رايتها وخوض المعركة باسمها، فهذه سمة المتخلفين المتعصبين. ذلك كي يلعنوا جيشان العقيدة وحماستها. بينما هم في قرارة نفوسهم -الصهيونية العالمية والصليبية العالمية بإضافة الشيوعية العالمية- جميعا يخوضون المعركة أولًا وقبل كل شيء لتحطيم هذه الصخرة العاتية التي نطحوها طويلا فأدمتهم جميعا ..
إنها معركة العقيدة. إنها ليست معركة الأرض. ولا الغلة. ولا المراكز العسكرية. ولا هذه الراية المزيفة كلها. إنهم يزيفونها علينا لغرض في نفوسهم دفين، ليخدعونا عن حقيقة المعركة وطبيعتها. فإذا نحن خدعنا بخديعتهم لنا فلا نلومن إلا أنفسنا، ونحن نبعد عن توجيه الله وهو أصدق القائلين (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) . (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) . والذي يذوق حلاوة الإيمان بعد الكفر ويهتدي بنوره بعد الضلال. ويعيش عيشة المؤمن بتصوراته ومداركه ومشاعره واستقامة طريقه، وطمأنينة قلبه، يكره العودة إلى الكفر، كما يكره أن يلقى في النار أو أشد. فعدو الله هو الذي يود أن يرجعه إلى جحيم الكفر. وقد خرج منه إلى جنة الإيمان، وإلى فراغ الكفر الخاوي بعد عالم الإيمان المعمور ..
إن أهل الكتاب يحاربون هذا الحق وأهله، رغم أنهم يعلمون أن كتاب الحق منزل من عند الله (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ) وما يزالون يعلمون أن قوة هذا الدين إنما تنبثق من هذا الحق الذي يتلبس به ومن هذا الحق الذي يحتويه. وما يزالون -من أجل علمهم بهذا كله- يحاربون هذا الدين ويحاربون هذا الكتاب حربًا لا تهدأ ..
وأشد هذه الحروب وأنكاها، هو تحويل الحاكمية عن شريعة هذا الكتاب. إلى شرائع كتب أخرى من صنع البشر، وجعل غير الله حكمًا حتى لا تقوم لكتاب الله قائمة، ولا يصبح لدين الله وجود. وإقامة ألوهيات أخرى في البلاد التي كانت الألوهية فيها لله وحده. يوم كانت تحكمها شريعة الله التي في كتابه، ولا تشاركها شريعة أخرى، ولا يوجد إلى جوار كتاب الله كتب أخرى تستمد منها أوضاع المجتمع، وأصول التشريعات، ويرجع إليها، ويستشهد بفقراتها كما يستشهد المسلم بكتاب الله وآياته. وأهل الكتاب من صليبيين وصهيونيين من وراء هذا كله. ومن وراء كل وضع وكل حكم يقام لمثل هذه الأهداف الخبيثة.