الصفحة 11 من 80

وبذلك تميزوا وسادوا، وكانوا النور المشرق في ظلمات الأرض، والقدوة في كل سوك وكل عمل وكل علم وكل نظام. وأوربا في ظلمة الجاهلية تأكلها الفرقة والحروب والتأخر والانحطاط .. حتى قبست قبسات من الإسلام في الحروب الصليبية، فأفاقت من غفوتها وبدأت"تنهض".. ولكن على غير طريق الله وطريق الآخرة .. ومن ثم لا تقوم إلا كمن يتخبطه الشيطان من المس .. تنطلق كالمجنون والهوة في آخر الطريق.

وإن أمام المسلمين الكسالى اليوم قدوة في رسول الله تنفعهم إذا فتحوا لها بصائرهم وتدبروا معانيها. إن عليهم أن يعملوا دائمًا ولا يكلّوا .. يعملوا جهد طاقتهم، وفوق الطاقة ليعوضوا القعود الطويل. يعملوا في كل ميدان من ميادين العمل: في ميدان العلم وميدان الصناعة وميدان التجارة وميدان الاقتصاد وميدان السياسة وميدان الفن وميدان الفكر ..

يعملوا ولا يقولوا: ما قيمة العمل؟ وماذا يمكن أن نصل إليه؟

يغرسوا الفسيلة ولو كانت القيامة تقوم اللحظة. فإنما عليهم أن يعملوا، وعلى الله تمام النجاح!

والدعاة خاصة لهم في هذا الحديث درس أي درس!

فالدعاة هم أشد الناس تعرضًا لنوبات اليأس، وأشدهم حاجة إلى الثبات!

قد ييأس التاجر من الكسب، ولكن دفعة المال لا تلبث أن تدفعه مرة أخرى إلى السير في الطريق.

قد ييأس السياسي من النصر، ولكن تقلبات السياسة لا تلبث أن تفتح له منفذًا فيستغله لصالحه.

قد ييأس العالم من الوصول إلى النتيجة .. ولكن المثابرة على البحث والتدقيق كفيلة أن توصله إلى النهاية.

كل ألوان البشر المحترفين حرفة معرضون لليأس، وهم في حاجة إلى التشجيع الدائم والحث الطويل، ولكنهم مع ذلك ليسوا كالدعاة في هذا الشأن، فأهدافهم غالبًا ما تكون قريبة، وعوائقهم غالبًا ما تكون قابلة للتذليل.

وليس كذلك المصلحون.

إنهم لا يتعاملون مع المادة ولكن مع"النفوس"والنفوس أعصى من المادة، وأقدر على المقاومة وعلى الزيغ والانحراف.

والسم الذي يأكل قلوب الدعاة هو انصراف الناس عن دعوتهم، وعدم الإيمان بما فيها من الحق، بل مقاومتها في كثير من الأحيان بقدر ما فيها من الحق، وعصيانها بقدر ما فيها من الصلاح!

عندئذ ييأس الدعاة .. ويتهاوون في الطريق.

إلا من قبست روحه قبسة من الأفق الأعلى المشرق الطليق. إلا من أطاقت روحه أن يغرس الفسيلة ولو كانت القيامة تقوم اللحظة عن يقين!

الدعاة أحوج الناس إلى هذا الدرس. أحوج الناس أن يتعلموا عن الرسول صلى الله عليه وسلم هذا التوجيه العجيب الذي تتضمنه تلك الكلمات القليلة البسيطة الخالية من الزخرف والتنسيق.

هم أحوج الناس أن يقبسوا من قبسات الرسول هذه اللمحة المضيئة الكاشفة الدافعة الموحية، فتنير في قلوبهم ظلمة اليأس، وتغرس في نفوسهم نبتة الأمل، كما تغرس الفسيلة في الأرض لتثمر بعد حين.

إنه يقول لهم: ليس عليكم ثمرة الجهد، ولكن عليكم الجهد وحده، ابذلوه ولا تتطلعوا إلى نتائجه!

ابذلوه بإيمان كامل أن هذا واجبكم وهذه مهمتكم، وأن واجبكم ومهمتكم ينتهيان بكم هناك، عند غرس الفسيلة في الأرض، لا في التقاط الثمار!

وهو إذ يقول لهم ذلك لا يغرر بهم ولا يضحك عليهم! إنما يقول لهم الشيء الواحد الصواب!

فحين تسأل نفسك: متى تثمر الفسيلة وكيف تثمر، وحولها الرياح والأعاصير والشر من كل جانب؟

وحين يصل بك التفكير إلى أن تطرح الفسيلة جانبًا وتنفض منها يديك .. حينئذ كيف تثمر؟ وأنَّى لها أن تعيش؟

أما قتلتها أنت حين أفلتّها من يديك؟

ولكنك حين تغرسها في الأرض وترفع يديك لله بالدعاء .. حينئذ تكون أودعتها مكانها الحق، وعهدت بها إلى الحق الذي يرعاها ويرعاك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت