سبحانه، وهل يطيق بشر أن يفكر في ذاته؟
هل تطيق الذرة الهائمة التائهة الفانية المحدودة أن تحيط بحقيقة الأزل والأبد، التي لا آخر لها ولا حدود؟!
وإن اهتدت .. إن وصلت واتصلت بالله .. فما حاجتها إلى"التفكير"في ذات الله وهي واصلة إلى حماه؟!
وهل فرغ الإنسان من تدبر أسرار الكون، ليفكر في ذات الخالق سبحانه، ليس كمثله شيء؟
هل وصل في"علمه"إلى حقيقة جوهرية واحدة من حقائق الكون؟ أم إنه ما يزال في محيط"الظواهر"لا يجرؤ على الدخول في الأعماق؟
لقد دفعه الإقدام مرة فتقدم فحطم الذرة وكاد يصل إلى المجهول .. ولكنه فجأة تراجع .. من هول الانفجار!
لم يكن تفجر الذرة وانطلاق طاقتها الهائلة المروعة هو الذي أصابه بالذعر وأصابه بالذهول! وإنما كان"الكشف"الجديد الذي وصل إليه، فأعاده إلى حيث كان من أسرار الوجود.
لقد اكتشف أنه ليس ثمة"مادة"، وإنما هناك"طاقة"، وأن هذه الطاقة هي"المجهول"الذي بحث عنه ألوفًا من السنين أو ملايين، ثم عاد من حيث بدأ، لم يزد علمًا إلا بظواهر الأشياء.
الأشياء الموجودة في الكون لا يعرف الإنسان"ذاتها". لا يعرف جوهرها. وإنما يعرف من صفاتها ومظاهرها.
فأي قفزة في الفضاء مجنونة تلك التي تدفعه إلى أن يترك الأشياء المخلوقة المحدودة الصغيرة، التي يعجز عن معرفة ذاتها، فيحاول أن يحيط بالذات الإلهية، ويصل إلى"حقيقتها"؟!
خبل لايستقيم مع التفكير السليم.
فأبسط قواعد"المنطق"أنك إذا عجزت عن الصغير فأنت أعجز عن الكبير. وإذا عجزت عن أن تسير ميلًا فستهلكك مئات الأميال فضلًا عن الألوف والملايين.
والكون أمام الإنسان واسع هائل عريض ..
فهل فرغ من أمره؟ هل وصل إلى آخر أبعاده؟ هل أحاط به علمًا، بل تصورًا وخيالًا؟
فلنسمع هنا كلام العلم الرسمي فإنه وحده يبهر الخيال ويذهل الرءوس!
"إن أقرب نجم إلينا يبعد عن الشمس فوق الأربع من السنوات الضوئية. أي أن النور، وسرعته 186000 ميل في الثانية، يقطع المسافة من الشمس إلى أقرب نجم في نحو أربع سنوات. إنه على مسافة تبلغ نحوًا من 000' 000' 000' 000' 26 ميل. إنك لو مثلت الشمس بنقطة أخرى تبعد عن النقطة الأولى بنحو 4 أميال" [34] .
"المجرة قرص عظيم. وهي قرص مفرطح، كالرغيف ... وقطر القرص نحو من 000' 100 سنة ضوئية. والسنة الضوئية مسافة مقدارها 6 مليون مليون ميل. فقطر هذا القرص نحو من 600 ألف مليون مليون ميل. وارتفاعه نحو عشر ذلك" [35] .
وهناك مجرات أخرى كثيرة في الكون غير المجرة التي تتبعها مجموعتنا الشمسية.
"هذه الدنييات، التي تشبه مجرتنا .. كم عددها؟ مائة؟ ألف؟ ألفان؟ لا. إنها مائة مليون من المجرات. مائة مليون جزيرة في فضاء هذا الكون الواسع وقد تزيد"!! [36] .
هذا في"المحيط الخارجي"للكون. وهو مظهر واحد يعجز عن حمله الخيال وتعجز العقول.
فلننظر في الأرض وحدها. تلك الذرة الهائمة في الفضاء. هباءة منثورة في محيط الكون، لا تمسكها إلا القدرة القادرة الخالقة المبدعة.
كم جبلًا بها وكم نهرًا وكم بحرًا وكم بحيرة؟! كم كهفًا في جبالها وكم حفرة في أراضيها؟ كم نقطة من المطر تهبط إليها وكم ذرة من البخار تصعد منها آناء الليل وأطراف النهار؟
وكم بها من أنواح الحياة؟ الحياة النباتية والحيوانية والإنسانية؟
كم ألفًا من صنوف النبات على وجه الأرض؟ وأي دقائق تفرق بين نبات ونبات مختلف ألوانه"يسقى من ماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل"؟
وكم ألفًا من صنوف الحيوان والطير والحشرات في السهول والفيافي والقفار والوديان والغابات؟