الصفحة 33 من 80

".. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" [45] .

الإحسان .. أن تحسن الشيء فتجعله حسنًا.

والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه!

كان السؤال قبل ذلك عن الإسلام، ثم عن الإيمان. الإسلام درجة والإيمان بعد ذلك درجة، وهذه هي درجة الإحسان. لكي يكون إسلامك حسنًا وإيمانك كذلك.

تعبد الله كأنك تراه ..

تعبير عجيب يحمل في بساطته حقيقة هائلة.

وأروع ما يروعني - وقد يكون هذا تأثرًا - أنه يفاجئك وأنت تقلب وجهك في الآفاق، باحثًا عن الإجابة، يفاجئك بالقبلة التي ينبغي أن تتجه إليها! فإذا أنت - على غير توقّع منك - ترى النور ..

النور الذي يبهر العين والقلب ويبهر الروح.

ترى الله ...

(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .

القاعدة الكبرى التي يقيم عليها الإسلام بناءه كله: هي أن تعبد الله كأنك تراه.

يقيم عليها نظمه جميعًا، وتشريعاته وتجيهاته جميعًا ..

نظام السياسة. نظام الاقتصاد. نظام المجتمع. موقف الفرد من الدولة وموقف الدولة من الفرد. نظام الأسرة. معاملات الأفراد، معاملات الدول في السلم وفي الحرب .. كل شيء في هذه الحياة!

ولقد يخطر للإنسان - أول ما يخطر - أن هذه عبادة! أليست هي: أن"تعبد الله"؟!

بل قد يخطر للإنسان أنها العبادة القصوى، التي ينقطع فيها الإنسان عن كل شيء في الحياة، ليخلو إلى ربه، يخلو له بوجدانه وحسه وقلبه .. هنالك في عزلة عن الآخرين!

وإنها لعبادة حقًا، ما في ذلك شك، وإنها لأقصى العبادة كذلك.

ولكنها - وهي أقصى عبادة العبد للرب - لتعود من عزلتها وخلوتها، فتتسع وتتسع حتى تشمل كل محيط الإنسانية!

بل إنها - منذ لحظتها الأولى، وفي خلوتها - لهي النور الساطع الذي يضيء جنبات الحياة، في ذات اللحظة التي يضيء فيها جنبات النفوس.

حقيقة واحدة ظاهرة وباطنة، تشمل الفرد وحده وتشمله في محيط الجماعة، فإذا هي شعور وسلوك، وعبادة وعمل في آن!!

الإسلاك كله هذه الحقيقة.

الإسلام - وحده - هو الذي يجعل العبادة عملًا والعمل عبادة، والذي يربط النفس والجسم، والسماء والأرض، والدنيا والآخرة كلها في نظام.

تعبد الله كأنك تراه ..

إنه عالم واسع يفيض بالحب، ويفيض بالتقوى، ويفيض بالأمل، ويفيض بالرهبة، ويفيض بالنور.

الإنسان في مواجهة مولاه. في مواجهة الذات العظمى الخالقة القاهرة المستعلية المشرفة على جميع الكائنات. والنور - نور السماوات والأرض - يغمره من كل جانب، وينفذ إلى أعماقه، فيضيء ثنايا قلبه، ويستقر فيه.

الإنسان في مواجهة مولاه ... بنفسه جميعًا. بكل جوارحها وكل خلجاتها. بظاهرها وباطنها، بدقائقها ولطائفها، بأسرارها وما هو أخفى من الأسرار ..

وكلها مكشوفة لله .."فإن لم تكن تراه فإنه يراك"!

يا الله! إنها الرهبة والقشعريرة تملأ النفوس.

عين الله البصيرة النافذة إلى كل شيء في هذا الوجود، إلى كل نأمة وكل خاطرة وكل فكرة وكل شعور .. إنها تراك وترقبك. سواء كنت متيقظًا لهذه المراقبة أم غافلًا عنها. وسواء أعددت نفسك لها أم كنت من المعرضين.

وإنه لخير لك أن ترى الله كما يراك .. خير لك أن تتوجه إلى حيث ترقبك العين البصيرة النافذة. فتأمن المفاجأة!

إنها الرهبة في الحالين .. الرهبة في حضرة المولى العزيز العليم القوي الجبار .. ولكنها الرهبة والأمل هنا، والرهبة والذعر هناك!

الرهبة والأمل وأنت متوجه إلى الله، مخلص له قلبك، عامل على رضاه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت