والرهبة والذعر حين تتوجه بعيدًا عنه وهو من ورائك محيط! فخير لك إذن أن تعبد الله كأنك تراه!
وحين تتوجه إليه بنفسك جميعًا، ظاهرها وباطنها، وسرها ونجواها .. وحين تتوجه إليه وفي نفسك شعور التقوى الخاشعة والرهبة العميقة .. فلا شك أنك ستنظف نفسك وتحرص على نظافتها.
إن الله لا تخفى عليه خافية. فكيف تستتر منه وأنت مقبل عليه؟ كيف يمكن أن تعمل عملًا واحدًا لا يراه؟
(وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [46] (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [47] (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) [48] (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) [49] .
يا الله! حتى خائنة الأعين! الخائنة التي يظن الإنسان أنه وحده الذي يحسها ويعرفها، وألا أحد في الوجود كله يراها أو يفهمها؟
حتى الوسوسة التي لا يطلع عليها أحد، وصاحبها نفسه قد ينساق معها دون أن يتيقظ لها؟
حتى السر. بل ما هو أخفى من السر. الخطرات التائهة في مسارب النفس، لا تصل إلى ظاهر الفكر، ولا يتحرك بها اللسان للتعبير!
يا الله! إنه لا ستر إذن ولا استخفاء.
كل نفسك مكشوفة وأنت مقبل عليه. أفلا تنظف نفسك إذن قبل الاتجاه. ألا تزكيها؟
(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) .
فأما إن كنت معرضا عنه غير متوجه إليه. إن كنت لا تنظف له نفسك ولا تزكيها. فلن يغير ذلك شيئا من الأمر!
إنه يراك! يراك بكل ما تصنع بنفسك من"تدسية"ومن سوء. يراك بخبائثك وأوضارك. يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
يراك. فما الفائدة في التستر والاختفاء؟ بل ما الفائدة من الإعراض والانصراف؟ الملك غير ملك الله تذهب؟ و"بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ"؟!"أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ". أم حسبوا أنهم معجزون في الأرض؟ أم حسبوا أن يفلتوا من العقاب؟
كلا! ما شيء من ذلك بمستطاع. فخير لك أن تراه وهو يراك!
وإنه لا يكلفك من أمرك رهقًا!
(هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [50] . (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [51] . (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ .. ) [52] .
إن رحمة الله واسعة. وإنه ليعلم ضعف الإنسان وما ركب في طبيعته من حب الشهوات: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ .. ) [53] . ويعلم أن الجهد شاق والسفر طويل.
لذلك يقول:"فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ"..
ويقول:"ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ". ادعوني لكل شيء! وادعوني - فيما تدعونني إليه - لأعينكم على تنظيف أنفسكم من وعثاء الطريق!
هل جربت أن تستعينه في هذا الأمر؟
صدق الله وصدق وعده الحق.
ما يتوجه له إنسان يستعينه على نظافة النفس وطهارة القلب، إلا استجاب له وأعانه على ما يريد!
وما هو بسحر ساحر! ولكن هكذا يحدث حين يتجه القلب إلى الله ويخلص في دعواه. إنه يجد الأمر عليه هينًا، ويجد نفسه أكبر من المغريات وأقوى من المعوقات. ويحس - إحساسًا ملموسًا مجسمًا - أن الله هو الذي يعينه وييسر له السبيل!
ومع ذلك كله فقد تضعف في الطريق وتخور قواك. فهل يلفظك من رحمته ويحل غضبه عليك؟
كلا! ما دمت لم تنكص على عقبيك ولم تتنكب الطريق.