الصفحة 21 من 80

وكان ذلك رحمة بالناس وهدى لبصائرهم.

فعلى أساس هذه السنة الثابتة - التي شاءت إرادة الله الحرة القادرة أن تكون ثابتة - يستطيع الناس تفهم الكون من حولهم، والتعرف على أسراره، والتوفيق بين أنفسهم وبين الكون والحياة.

وكل"العلم"الذي علمه الناس منذ البدء حتى اليوم، وكل المخترعات التي اخترعوها، وكل الفوائد التي جنوها، والخدمات التي حصلوا عليها لم تكن لتوجد لولا ثبوت السنة واطرادها وعدم تخلفها.

وكذلك الحياة الإنسانية في محيطها الشامل .. فكل النظم القائمة على تجارب البشرية: النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعمرانية .. لم تكن لتقوم لولا ثبوت هذه السنة واطرادها. فهذا وحده هو الذي يجعل للتجربة قيمة، ويجعلها مجالًا للفائدة ومحلًا للاعتبار.

وإلا فما قيمة التجارب - علمية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية - إذا كانت كل تجربة منقطعة عن غيرها، قائمة بذاتها، لا تتصل بشيء ولا تنتهي إلى شيء؟ وكيف يتعلم الناس أن هذا ضار وهذا نافع، فيعرضوا عن الأول ويقبلوا على الأخير؟

هي رحمة الله إذن بالناس أن يجعل لهم سنة ثابتة، ويجعلها واضحة، ويجعلها محلًا للعبرة، ويوجه إليها الضمائر، ويوقظ لها القلوب:

(قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) [17] .

وقد اقتضت هذه السنة - كما قلنا - أن يكون البشر هم أدوات العمل في الأرض وهم كذلك أدوات التغيير:

(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [18] .

ولن يعجز الله سبحانه أن يغير ما بالقوم دون أن يغيروا ما بأنفسهم. فالسماوات والأرض ومن فيهن ملكه. وهو القاهر فوق عباده. وهو المتصرف وحده في الجميع بما يشاء وكيفما يشاء.

ولكنه هكذا شاء .. أن يكون الإنسان عنصرًا إيجابيًا في الحياة. وأن يكون التغيير - وهو إرادة الله - مرتبطًا بإرادة الإنسان، مقضيًا عن طريقه، نافذًا من خلاله، ممتزجًا بكيانه كله من عمل وفكر وشعور.

والحمد لله من الإنسان أن جعل له كل هذه القيمة في الأرض .. وإلا فما هو في ذاته لولا هذا العطف الرباني عليه؟ لولا تلك النفخة الإلهية التي جعلت منه ما هو عليه. أليس هو من طين هذه الأرض، يستوي في ذلك مع الصرصار الحقير والوحش الكاسر والحيوان البهيم؟

ولكن لهذا التكريم تبعاته ومقتضياته ..

تبعاته أن يكون الإنسان قوة إيجابية حقًا، وأن يعمل بمقتضى ذلك في واقع الحياة.

تبعاته أن يعمل، وأن يكافح، وأن يصارع، ولا يسلِّم، ولا ينخذل، ولا يستكين.

تبعاته أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويؤمن بالله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [19] .

تبعاته إذا رأى المنكر أن يغيره .. بيده، فإن لم يستطع فبلسانه .. فإن لم يستطع فبقلبه .. وهو أضعف الإيمان.

وليس المعروف أو المنكر شيئًا محدودًا في هذه الأرض، أو ميدانًا دون ميدان.

كل شأن من شئون الناس، كبر أو صغر، يمكن أن يجري بالمعروف ويمكن أن يجري بالمنكر. وتبعات الإنسان تستلزم ملاحقته لهذه الشئون كلها، والرقابة عليها، والتأكد من جريها بالمعروف وبعدها عن المنكر! وإلا .. فالنتيجة هي الفساد!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت