الصفحة 27 من 80

بل ما تلك القوة الكامنة في الخلية الحية. الخلية المفردة الواحدة التي بدأت الحياة منها على سطح الأرض؟

بل ما تلك القوة العجيبة الكامنة في الخلية الجامدة أو التي تخال جامدة في"الذرة"المجسمة في المادة، أو المنطلقة في الإشعاع.

هل يعرف الإنسان ما تلك القوة أو يملك أن يصل إلى الأسرار؟

ذلك مبلغ الإنسان من"العلم"ومبلغه من"الحقيقة".

ومع ذلك لا يعرف قدر نفسه، ويروح يشطح في الآفاق.

يريد أن يعرف"الحقيقة"الكبرى. يريد أن يحيط بذات الله. فهل يقدر؟

هب أن أحدا لم يمنعه ولم ينهه من التفكير .. فكيف يصل؟ بأية أداة وأية وسيلة؟

العقل؟

أو ليس العقل ذاته هو الذي قال للإنسان: إن المحدود لا يحيط بغير المحدود، والفاني لا يحيط بمكن لا يدركه الفناء.

فيم إذن تسخير العقل فيما يقول العقل ذاته إنه مستحيل؟

وهل وصل الناس إلى شيء حين سخروا عقولهم لذلك المبحث المستحيل؟

هل وصلت"الفلسفة"في جميع أطوارها وجميع محاولاتها إلى حقيقة واحدة مستقرة تكشف للناس عن المجهول؟ أم باءت كلها بالفشل الجازم والعجز المحتوم!

وهل هذه التخبطات التي كتبها الفلاسفة في شأن الله حقيقة بأن ينظر إليها عاقل ويوليها شيئًا من اهتمامه؟

وفيم هذا العناء كله؟! ما وراء النطح في الصخرة التي تحطم الرءوس؟!

أيريد أن"يصل"إلى الله؟ سبحان الله! فما له لا يصل عن الطريق المعبد المفتوح؟ ما له يلف ويدور، ويعود"كالمخووت"الذي ركبه الخبال!

يريد أن يصل إلى الله؟ أما يحس في أعماق نفسه السبيل؟ أما يترك العنان للفطرة وهي تصل به إلى هناك؟ أما يدع روحه تحلق وحدها، عارفة طريقها إلى النور الذي قبست منه وهي كائنة في علم الله منذ الآزال والآباد .. ؟

الطريق هو الإيمان!

والفطرة تعرف الطريق!

وما يحتاج الإنسان إلا إلى أن يدع فطرته على سجيتها. لا يكبلها بقيود مصطنعة من فلسفة منحرفة أو علم فطير. ولا يغشيها بركام الشهوات الغليظة والنزوات الهابطة التي تحجب شفافيتها وتمنع عنها النور.

وهي وحدها تهديه إلى الله .. لأن الله فطرها على الهدى إليه!

وإن أراد عونًا للفطرة وهي في الطريق إلى الله .. فليكن ذلك العون الأكبر هو تدبر آيات الخلق، والبحث عن آيات القدرة في صفحة الكون الحافلة بالمعجزات.

فذلك هو الذي يطيقه. وذلك هو الذي يعينه على السبيل.

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [37] .

وآيات الله في الكون عميقة الغور جدًا، وهي في الوقت ذاته معروضة في وضوح ويسر لكل عين متفتحة وكل قلب طليق.

(وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ) [38] .

إن الكون كله آية الله. وفي كل شيء منه آية لمن أراد التذكر أو ألقى السمع وهو شهيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت