الصفحة 31 من 80

ومن كان في شك من ذلك فليقرأ كل ما كتبته الفلسفة في هذا الموضوع، ثم ليسأل نفسه: هل زاد معرفة بالله عن هذا الطريق؟ هل"وضحت"له المعالم؟ هل"وصل"إلى شيء لم يكن يصل إليه وهو يتدبر آيات الله في الكون ويفتح بصيرته على القدرة المعجزة في كل اتجاه؟

أم العكس هو الصحيح؟ اختلطت في ذهنه الشيات والملامح، والتصورات والأفكار؟ وتاه في محيط من الجدل المتناقض الذي لا يركن إلى قرار؟!

صورة في ذهني تتمثل لعمل أولئك الفلاسفة! تلك مرآة لامعة يبصر فيها الإنسان وجهه بكل دقائقه، ولكن فيها قطعة"مغبشة"هنا أو قطعة مطموسة هناك، فيروح هذا"الفيلسوف"يحاول أن"يجلوها"فيمسح بأصابعه وجه المرآة، فإذا القذر من أصابعه قد غبش الصفحة كلها، وإذا الصورة التي كانت واضحة لم تعد تبين!

ودعك من القيمة الموضوعية لهذه الأفكار، وانظر كيف كانت النتيجة .. كيف كان عاقبة الذين أبوا أن ينتصحوا بأمر الله ويهتدوا بسنة رسوله.

لقد"حلق"المفكرون والفلاسفة في أبراجهم العاجية وتركوا الناس في الأرض .. تركوا الناس يأكلهم الظلم والإقطاع والجهل والجمود والتفكك. فهذه المظالم ترتكب كل يوم، والكادحون تُمتص دماؤهم وهم صاغرون مغلوبون على أمرهم .. بينما السادة المفكرون في جدل أخرق لا هو يهتدي إلى نتيجة، ولا هو ينزل إلى الأرض ليرى آلام الناس ويحاول أن يبحث لهم عن علاج ..

وكفر الناس .. وحق لهم أن يكفروا ..

كفروا بالفلسفة"المثالية"التي تحلق في عالم الخيال وعالم المثل، وتترك واقع الأرض المنتن ينغل فيه الدود ..

وقاموا يحطمون هذه"المثالية"المتعفنة التي لا قلب لها ولا ضمير.

ومع المثالية الخاوية حطموا - مع الأسف - فكرة الله والعقيدة.

حطموها، لأن هذه المثالية كانت تدور حول فكرة الله، وتزعم أنها تصل إلى"جوهر"العقيدة.

وعلى أنقاض فكرة الله والعقيدة، وأنقاض الفلسفة المثالية الخاوية قامت فلسفة مادية جاحدة لا تعرف الله ولا تؤمن بالعقيدة.

وتشعبت تلك الفلسفة حتى شملت كل جوانب الحياة ..

دارون، وماركس، وفرويد، والتجريبيون والسلوكيون .. التفسير المادي والتفسير الاقتصادي للتاريخ .. والوجودية والانحلالية واللادينية واللاخلقية واللا .. إنسانية!

ومضت أوربا في طريقها المجنون الذي لا ينتج إلا الدماء في نهاية الطريق.

إن أوربا لم تتقدم في ميدان العلم والعمل إلى حين أخذت بشق من نصيحة الرسول الكريم، فانتبذت التفكير في ذات الله، ووجهت طاقتها لتعمير الأرض في واقع الحياة .. وخطت خطوات جبارة في هذا السبيل.

ولكنها - مع الأسف - لم تأخذ نصيحة الرسول كاملة، ولم تهتد بهديه السليم. لم تأخذ منها عبادة الله، والتوجه إلى الله.

ومن ثم انطلقت - بقوتها المادية الهائلة النامية المتزايدة - انطلقت تعبد الشيطان.

(وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) !

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) !

وكانت النتيجة هي القوة المادية الهائلة التي تتمتع بها أوربا، والضلال المبين الذي تغرق فيه.

الرأسمالية هنا والشيوعية هناك ..

كلاهما انحراف عن استقامة البشرية، وكلاهما قائم على أسس مادية خالصة لا تؤمن بالله الإيمان الحق. ولا تحكمه في أمر من أمور البشرية.

الحقيقة عندهم هي ما تستطيع الحواس أن تدركه. وكل ما لا تستطيع الحواس إدراكه فهو ساقط من الحساب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت