والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة من أن تورد كلها. وهدفها كلها واحد. هو تهذيب القيام بهذه الضرورة، وإحاطتها بآداب معينة تلطف غلظتها وتخفف من معنى"الضرورة"فيها. إذ تجعلها سلوكًا وأدبًا فيه"اختيار"وترفع.
وقد لا تبدو لنا اليوم - الدلالة الكاملة لهذه التوجيهات. إذ صار لقضاء الضرورة أدوات نظيفة ووسائل مهذبة. ومع ذلك فما زال في المدينة - وفي العاصمة ذاتها - قوم يقضون حاجاتهم على قارعة الطريق وأمام الناس. أما الريف ... !
ولكن الدلالة النفسية لا ينبغي أن تفوتنا على أي حال. فالتهذيب فيها واضح. وواضح كذلك محاولة رفع"الإنسان"عن مستوى الحيوان، حتى وهو يقضي ضرورته التي يشترك فيها مع الحيوان.
أما الجنس فأمره أعجب وأوضح دلالة.
ليس في الأرض شريعة ولا نظام يعترف بالجنس نظيفًا كريمًا كالإسلام.
يكفي ان نذكر فقط أن الإسلام وهو يأتي زوجه يذكر اسم الله الكريم. وليس في الإسلام أقدس من ذكر الله، ولا أنظف مما يقرأ اسم الله عليه.
والإباحة فيه - في حدوده الشرعية، أي الزواج - أوضح من أن تحتاج إلى دليل.
(نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) [67]
"إن في بضع أحدكم لأجرًا. قالوا يا رسول الله إن أحدنا ليأتي شهوته ثم يكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" [68] .
وغيرها وغيرها كثير ...
والرسول صلى الله عليه وسلم قد أخذ من هذا المباح بقسط كامل لا شبهة فيه، واستمتع منه بكل ما يحل لمسلم أن يستمتع به في هذه الحياة.
ومع ذلك فلينظر كيف كان الأمر ...
تروي السيرة أنه صلى الله عليه وسلم كان يغطي وجه زوجته حين يضاجعها في الفراش .. وروى الخطيب من حديث أم سلمة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يغطي رأسه ويغض صوته ويقول لامرأته: عليك بالسكينة.
الحياء والترفع إلى هذا الحد!
ليس الجنس شهوة الحيوان الجائع الذي لا يملك نفسه أن يندفع هائجا إلى التنفيذ.
وليس غلظة الشبق التي تتلمظ على متاع لذيذ.
وليس نزوة الجسد الفائر التي تختنق في بخارها عاطفة القلب وإشراقة الروح.
ومع ذلك فإن دعوة الرسول للناس أن يهذبوا العمل الجنسي لم تكن دعوة إلى الزهادة أو إطفاء المتعة أو تبريد حرارتها.
كلا! على العكس من ذلك. لقد كان يدعوهم إلى المتاع ويحببهم فيه بل كان في الواقع يوسع مساحته في النفس، ويزيد من متعته، حين يرفعه من لهفة الجسد الخالصة إلى"عواطف""ومشاعر""ومودة".
فقد كان ينهى عن المواقعة دون رسول يسبقها ويمهد لها من مداعبة وعواطف جياشة.
وليست هذه دعوة الذي يريد أن يحرم الناس من المتاع أو يفسده عليهم. بل دعوة من يريد تهذيبهم ورفعهم من مستوى الحيوان إلى مستوى الإنسان، مع"إحسان"تلذذهم بهذا المتاع، حتى يصبح متاعًا"جميلًا"تدخل فيه كل عناصر النفس، ويدخل فيه"الفن"بتعبيره الجميل.
والقرآن يصف الصلة بين الرجل والمرأة على أنها"سكن"و"مودة": (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) [69] . وهو تعبير جميل أخاذ يشمل كل صلات الجنس، ولكنه يشملها في مستواها الأرفع. في مستوى"الإنسان".
ذلك هو الإحسان في شئون الجنس. وهو أمر واضح الدلالة على نظرة الإسلام لهذه الأمور.
الضرورة تُقضى. نعم. لا كبت ولا حجران. ولا استقذار للدوافع الفطرية في ذاتها. ولا الإحساس بالذنب عند الإتيان. ولكنه التنظيف رغم ذلك وتهذيب الوجدان.