كلا والله! فالنحل خَلْق متواضع! وإنه ليحط على الزهرة الرائعة التناسق كما يحط على الزهرة العادية الجمال
فليس جمال الزهرة إذن ضرورة! وكل الأهداف"البيولوجية"يمكن أن تتم في أبسط زهرة كما تتم في أجمل الأزهار.
ورأيت هذه"الطبيعة"؟
رأيت حمرة الشفق المبدعة ورأيت جمال الصبح الوليد؟
رأيت روعة الجبال تبهر الأنفاس وتهز الوجدان؟
والبحر الممتد إلى غير نهاية منسرب الموج، تراه في الليل الساكن كأنما تعمره الأطياف .. أو الأشباح؟
والليلة القمراء .. هل"ذقتها"؟ و"ذقت"طعم السحر في ضوئها، وظلها، وأطيافها الساربة وحديثها المهموس؟
هل تظن ذلك ضرورة؟
وأين هي الضرورة في ذلك كله، والحياة ممكنة ومستطاعة بغير هذا الجمال؟
ورأيت هذا الوجه الرائع؟
هاتان العينان الحالمتان اللتان يطل منهما عالم عميق الأغوار .. تلك التقاطيع المنسقة .. هذا المعنى المعبر .. تلك"الروح"التي تطل من وراء القسمات؟
تظن ذلك ضرورة؟ وما الضرورة؟
أليست كل العمليات"البيولوجية"من طعام وشراب وتنفس تتم في أقبح وجه وأجمل وجه على السواء؟
بل .. نداء الجنس ذاته. ألا يتحقق في كل أنثى وكل ذكر بصرف النظر عن ذلك الجمال؟
كلا. إنه ليس"ضرورة".. وإنما هو"جمال".
هو"إحسان"في الأداء لا مجرد الأداء!
تلك فطرة الحياة كما خلقها الله .. فطرة"الطبيعة".
والإسلام دين الفطرة ..
يلتقي مع ناموس الحياة الأكبر. لأنه منزل من عند الله خالق الحياة، وخالق الفطرة التي يسير عليها الكون والحياة.
لذلك لا يكتفي الإسلام من الإنسان بمجرد أداء الضرورة. لأنه حينئذ يكون متخلفًا عن الحياة، ناشزًا عن فطرتها، متاخرًا إلى الوراء.
وهو الحياة في أعلى آفاقها - يريد أن يكون الإنسان واصلًا إلى الحياة، منسجمًا معها، مساوقًا لها، ملتقيًا معها في كل اتجاه.
لذلك يعمد إلى تهذيب النفوس. يدخل في أعماقها، ويسكن في أطوائها، ويوجهها من باطنها. يوجهها إلى الجمال. إلى الإحسان. الإحسان في كل شيء. الإحسان في الأعمال والإحسان في الأفكار والإحسان في المشاعر.
"إن الله كتب الإحسان على كل شيء"..
وحين تتجه النفس إلى الإحسان. حين تتهذب المشاعر وينظف السلوك. حين تخرج الضرورة عن قهرها القاهر فتصبح سلوكًا مهذبًا"تختاره"النفوس، وتتفاضل في أدائه ..
حينئذ يلتقي الإنسان مع الكون والحياة ..
يلتقي معهما في نظرة واحدة شاملة رفيعة. اسمها الإحسان. أو اسمها الجمال.
والله جميل يحب الجمال.
[60] "أتريد أن تميتها موتات؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها؟".
[61] سورة الإسراء [33] .
[62] سورة الفرقان [63 - 68] .
[63] سورة المائدة [32] .
[64] رواه الشيخان.
[65] سورة النساء [84] .
[66] رواه البيهقي.
[67] سورة البقرة [223] .
[68] رواه مسلم.
[69] سورة الروم [21] .
[70] سورة الأعراف [31] .