الصفحة 74 من 80

والأعمال"العظيمة"والإنتاج الباهر والحركة الفاعلة لا قيمة لها إذا لم تستند إلى شعور عميق بالخير، وإحساس حي بروابط الأخوة الإنسانية والالتقاء إلى الله.

بل هما - بدون هذا التزاوج - ينقلبان إلى شر مدمر للبشرية:

الأولى تنقلب إلى زهادة وعزلة تتوقف بها الحياة.

والثانية تنقلب إلى طغيان كافر يدمر الحياة على وجه الأرض.

ولا بد منهما معًا لتستقيم الحياة، مرتبطين متمازجين، لا انفصال بينهما ولا افتراق!

تلك هي"الفطرة"البشرية.

والإسلام دين الفطرة وكلمة الله.

ومن ثم لم يكن بد - وهو"ينظف القلب البشري"- أن يجعل في حسابه الباطن والظاهر، والشعور والعمل، والوجدان والسلوك.

وهو بذلك واقعي إلى أقصى حدود الواقعية ...

إنه يعنى أشد العناية بعالم الروح ونظافة الضمير. وإنه يثق في أن القلب البشري مصدر الطاقة ومصدر الإشعاع. ولكنه - مع ذلك - لا يفترض في الناس كلهم أنهم من أولي العزم! لا يفترض فيهم أنهم يستطيعون دائمًا أن يعيشوا بقلوب نظيفة في مجتمع غير نظيف، أو يمارسوا العدالة في مجتمع غير عادل، أو يحرصوا على الفضائل في مجتمع يحرص على المنكرات.

ففي"الفطرة"البشرية ضعف يحتاج إلى سند ويحتاج إلى معونة: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) .

هناك ثقلة الضرورة ودفعة الشهوات.

وهي"واقع"لا مصلحة في تجاهله، ولا سبيل إلى نكرانه.

ولا بد من تنظيمه .. لا بد من تنظيمه ليستطيع الإنسان أن يفرغ من ضغطه على الأعصاب والمشاعر. وينطلق حيث يشاء، حيث يليق بخليفة الله أن يكون.

من أجل ذلك يحرص الإسلام على واقع المجتمع أن يكون نظيفًا ليعاون الفرد على نظافة الضمير. ولن تكون نظافة المجتمع إلا بنظام اقتصادي عادل، ونظام اجتماعي متوازن، ونظام سياسي راشد محكم الرباط بالعقيدة الصحيحة والإيمان الصحيح.

من صميم مهمة الدين إذن في تنظيف القلب كانت هذه التشريعات وهذه التوجيهات التي تتناول الأسرة والمجتمع، وسياسة الحكم، وسياسة المال. يستوي في ذلك التشريع الاقتصادي، والتشريع السياسي، والتشريع الجنائي، والتشريع المدني، والتشريع الدولي .. والتوجيهات العديدة المتعلقة بكل هذه الشئون.

ولم يكن الإسلام - وهو جاد في تناول الإنسان والحياة البشرية بالتنظيم والتنظيف - ليغفل هذه الشئون الواقعية كلها، وينصرف إلى تهذيب الضمير في عالم المثل والأحلام. ولم يكن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم ليتخلى عن مهمته الهائلة في ذلك الشأن، وينفض يديه منها، ويقول للناس:"أنتم أعلم بأمور دنياكم"أي تصرفوا أنتم في تشريعاتكم وتنظيماتكم، في سياسة المال وفي سياسة الحكم، في علاقات المجتمع، وفي القوانين التي تنظم الحياة ..

كلا! لم يكن ليفعل ذلك. ولو فعل فما أدى إذن رسالة الله. والله هو الذي يقول له في مجال التكليف: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [118] .

ولكن هذا الفريق من الناس الذي ذكرناه آنفا، أو فريقًا غيره يقول: إن الحياة تتطور. فكيف إذن يمكن أن يشرع الله أو يشرع رسوله للأجيال التالية لعصر القرآن؟ إن ما كان يصلح منذ ألف وأربعمائة عام لا يصلح اليوم. وما كان حركة تقدمية ثورية في ذلك التاريخ يصبح اليوم أمرًا رجعيًا عتيقًا متجمدًا لا يجاري التطور ولا يصلح للحياة .. ومن ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الكلمة ليفتح الباب للتطور، ولا يقف بالناس عند تشريعات وتنظيمات قد اقتضتها بيئة معينة وظروف معينة، وإنما يتركهم يشرعون وينظمون فيما هم أدرى به من الأمور.

"التطور".. ويح الناس من التطور!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت