الصفحة 9 من 80

ولم يدع يديه منها صلى الله عليه وسلم حتى فاضت روحه الكريمة الطاهرة إلى مولاه ..

وإن في ذلك لدرسًا يقتدي فيه المسلمون بنبيهم، ويهدون به البشرية الضالة إلى سواء السبيل.

يتعلمون أن يربطوا طريق الدنيا بطريق الآخرة.

يتعلمون أن الدين ليس عزلة عن الحياة، وإنما هو صميم الحياة. ليس عزلة عن تيار الحياة الصاخب المضطرب فلا يركبون فيه مركبهم مع الراكبين.

وأنهم لا يرضون ربهم ولا يخدمون دينهم إذا أحسوا أنه ينبغي عليهم أن ينسوا الله والدين إذا دخلوا معترك الحياة وعملوا لإصلاح الأرض.

لن يرضوا الله ولن يخدموا الدين إذا دخلوا المدرسة أو الجامعة أو المعمل أو المصنع أو المتجر وفي حسابهم أنهم الآن يعملون للأرض ويعملون للدنيا، وأنهم في لحظة أخرى حين يفرغون من عمل الأرض سيعودون - إذا عادوا - إلى الله، فيعبدونه ويتوجهون إليه!

كلا! ليس ذلك من الإسلام!

إنما الإسلام أن يأكلوا باسم الله، ويتزوجوا باسم الله، ويتعلموا باسم الله وفي سبيل الله، ويعملوا وينتجوا ويتقووا ويستعدوا .. في سبيل الله. لا تشغلهم الدنيا عن الآخرة، ولا الآخرة عن الدنيا، لأنهما طريق واحد لا يفترقان.

وحين يتعلم المسلمون ذلك: حين يتعلمون أنهم إذا درسوا الطاقة الذرية واستخدامها في السلم والحرب يمكن أن يكونوا متصلين بالله وفي سبيل الله. حين يتعلمون أنهم وهم يدرسون النظم السياسية والاقتصادية والإصلاح الاجتماعي، أو يطبقونها على الناس وهم يسوسون أمورهم، يمكن أن يكونوا متصلين بالله وفي سبيل الله. حين يتعلمون أنهم وهم في خلوتهم مع أزواجهم يحققون هدف الحياة الأكبر، يمكن أن يذكروا اسم الله ويكونوا في سبيل الله ..

حين يتعلمون أن عملًا واحدًا من أعمال الأرض الكثيرة المتفرقة لا يمكن أن يخرج عن الطريق إلى الآخرة إذا أقدم عليه الإنسان وهو مسلم مؤمن بالله متوجه إلى الله ..

بل حين يتعلمون أنه لا يمكنهم أن يخدموا الآخرة إلا بإصلاح الدنيا، ولا يصلوا للآخرة إلا عن طريق الأرض، وأن عليهم أن يظلوا إلى آخر لحظة من حياتهم يعمرون الأرض ويغرسون فسائلها، وإلا فلن يصلوا إلى رضوان الله ..

حين ذلك يكونون مسلمين حقًا ..

وحين ذلك يكونون قدوة للأمم كلها على سطح الأرض، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو قدوتهم.

(لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) .

عندئذ يكون لديهم ما يعلمونه للعالم كله، وللغرب المفتون خاصة. الغرب الذي أصابه الجنون فقام بحربين متواليتين في ربع قرن، وهو اليوم يستعد لتدمير الأرض!

يستطيعون أن يقولوا للناس في كل الأرض: لقد ألغيتم"الله"من حسابكم لأنكم ظننتم أنه يعوّقكم عن تعمير الأرض، وعن تعلم العلم، وعن استغلال طاقة الأرض، وعن الاستمتاع بالحياة!

ولكنه في الواقع ليس كذلك!

إنه يدعو إلى كل هذا الذي تهفون إليه: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) وإنما يريد فقط أن توحدوا طريقكم، فلا تجعلوا طريقًا للدنيا وطريقًا للآخرة منفصلتين، وإنما طريق واحدة للدنيا والآخرة، هي الطريق إلى الله.

وليس هذا هو الدرس الوحيد الذي نتعلمه من هذا الحديث العجيب.

فلا يأس مع الحياة!

والعمل في الأرض لا ينبغي أن ينقطع لحظة واحدة بسبب اليأس من النتيجة!

فحتى حين تكون القيامة بعد لحظة، حين تنقطع الحياة الدنيا كلها، حين لا تكون هناك ثمرة من العمل .. حتى عندئذ لا يكف الناس عن العمل وعن التطلع للمستقبل، ومن كان في يده فسيلة فليغرسها!

إنها دفعة عجيبة للعمل والاستمرار فيه والإصرار عليه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت