الصفحة 2 من 30

ولقد دققت في المسألة وحق لي أن أمحص كثيرا: لأن الغرب له نظامه الحياتي الخاص: فالميتة والخنزير ليست داخله في قائمة المحرمات في حياته اليومية، بل الخنزير وشحمه يدخلان في كثير من الصناعات والحلويات، وأصبحت حياة المسلم في الغرب جحيما لايطاق فالمغريات من كل جانب والمحرمات في معظم الأطعمة حتى الخبز تجد أن أكثر من نصفه في بعض الأقطار مدهون بشحوم الخنزير.

ثم انتقلت المأساة إلى معظم أقطار المسلمين وصارت الدول والشعوب الإسلامية تستورد اللحوم من الأقطار الشيوعية والغربية، ولا ترعى فيها حرمة ولا حلا، وعندما تتعالى الصيحات من هنا أو هناك ممن يتحرجون من أكل اللحوم المستوردة يختم على اللحوم {مذبوح على الطريقة الإسلامية} فإذا استجابت الدولة لبعض الصرخات فإنها ترسل وفدا من وزارة التموين ليشرف على المذبح، وقد توكل سفارتها في البلد المصدر للحوم بأن يراقب الذبح، والمسألة غالبا لا تتعدى ذر الرماد في العيون إذ أن هذه القضية غالبا لا تهم أعضاء السلك الدبلوماسي الذين يعملون في سفارات البلدان الإسلامية في العالم الغربي أو الشرقي، وهم غالبا لا يحفلون كثيرا بهذه القضايا ولا يهتمون بها فضلا عن أن يصرفوا أوقاتهم كلها في المسالخ يسمون على الذبائح ويكبرون عليها كلما مرت ذبيحة سموا وكبروا.

وزاد الطين بله أن وزارات التموين في العالم الإسلامي كذلك لا تأبه بهذه القضايا وتعتبرها من قبيل التزمت والإنغلاق والتعصب لدى بعض المتدينين لضيق أفقهم وتطرفهم.

وليت شعري ماذا تقول إذا علمت أن وزارة التموين في بعض البلدان الإسلامية {وزارة التحليل والتحريم في المطعومات} لا يستلمها غالبا إلا النصارى الذين يرفضون الإستيراد من تركيا المسلمة ويأبون إلا أن يستوردوا اللحوم من الدول الشرقية مثل بلغاريا وغيرها، رغم أن اللحم التركي أنظف وأرخص غالبا.

الفتاوي:

ولقد تصدى بعض الأفاضل من المتفقهين والعلماء ممن يتصدرون للفتوى في البلدان الإسلامية: فأفتوا بحل اللحوم المستوردة بناء على القاعدة القائلة: {الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم} ولكن فات هؤلاء العلماء الأفاضل ذكر الإستثناء وهو: {الأصل في الأشياء الإباحة إلا في اللحوم والفروج} .

وقد نص على هذه القاعدة فقهاء المذاهب الأربعة وجمهور المحدثين، وقد لخصها قول النووي {الأصل في الحيوان التحريم حتى تتحقق ذكاة مبيحة} أو كما عبر عنها الخطابي {البهيمة أصلها على التحريم حتى تتيقن وقوع الذكاة فهي لا تستباح بالأمر المشكوك} .

الفقه لجيل الصحوة:

ونحن إذ نكتب مثل هذه المقالات الفقهية إنما نعني بها أبناء الصحوة الإسلامية ممن التزموا الإسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة، وأخذوا على أنفسهم تطبيق الحلال والحرام في حياتهم الخاصة والعامة في كل صغيرة وكبيرة.

فكل ما نكتبه في مجال الفقه إنما يراد به الفئة المؤمنة التي عزمت على السير في الطريق إلى الله، فهؤلاء لا بد لهم من حلول للمشاكل التي تعترض طريقهم وعلى ضوء الكتاب والسنة، وهذا فقه عملي حركي جاد وليس افتراضا لمشاكل تعرض للخيال، أو يتمحلها التفكير ويتصنعها.

أما الفقه النظري الذي لا صلة له بعالم الواقع فقد كان السلف يكرهون السؤال عما لا يقع وعلى رأسهم عمر وابنه، ومعاذ رضي الله عنهم، وقد كانوا إذا سئلوا عن مسألة يقولون: أوقعت؟ فإن قيل: لا، قالوا إن لنا في الواقع شغلا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت