الصفحة 7 من 22

يمكن تقسيم أحكام أهل الذمة إلى ما يتعلق بحقوهم وما يتعلق بواجباتهم وما يتعلق بمعاملتهم وفيما يلي بيان ذلك.

المطلب الأول: حقوق أهل الذمة:

تقدم معنا أن عقد الذمة يترتب عليه التزام الإمام بأمانهم وأنه تثبت لهم جملة حقوق نبينها فيما يلي:

1)إذا أعطوا الجزية فإنه يحرم قتالهم وذلك لأن آية الجزية جعلت إعطاء الجزية غاية لقتالهم، فمتى بذلوها لم يجز قتالهم.

يقول ابن قدامة رحمه الله في المغني:"إذا بذلوا الجزية لزم قبولها وحرم قتالهم لقول الله تعالى:"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله"إلى قوله تعالى"حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" [34] ."

ولقد تقدمت معنا النصوص الدالة على ذلك.

وأحب أن أنبه في هذا المقام إلى أن حقن دماء الذميين ليس إقرارًا منا لهم على دينهم وإنما هو فرصة لهم ليطلعوا على الإسلام ومجتمع الإسلام حيث يرجى بذلك إسلامهم، ولهذا كان قبول الجزية منهم على وجه فيه نوع إذلال وصغار ليُنبهوا بالصغار في الدنيا على ما ينتظرهم من ذل وصغار وعقوبة في الآخرة إذا ما هم ماتوا على كفرهم وضلالتهم.

2)جواز بقائهم في بلاد الإسلام وتقريرهم على ذلك باستثناء الأماكن التي لها أحكام خاصة تمنع من بقاء الكفار فيها كالحرم المكي والجزيرة العربية، والدليل على ذلك قوله تعالى:"يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء والله عليم حكيم" [35] .

ولحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لأخرجنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا" [36] ، وللفقهاء أقوال في حدود الأرض التي يمنعون منها وفي حدود ما يسمح لهم بدخل هذه الأرض لغير الإقامة كتجارة ورسالة ونحوها ليس هذا مقام تفصيلها ولقد فصل القول فيها الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه القيم أحكام أهل الذمة [37] .

3)وجوب الكف عنهم وحمايتهم: لأنهم يصبحون جزءًا من الدولة الإسلامية ويتكفل المسلمون بأمنهم وحمايتهم، قال ابن قدامة رحمه الله:"وإذا عقد الذمة فعليه حمايتهم من المسلمين وأهل الحرب وأهل الذمة لأنه التزم بالعهد بحفظهم، ولهذا قال علي رضي الله عنه: إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا."

وقال عمر رضي الله عنه في وصيته للخليفة بعده: وأوصيه بأهل ذمة المسلمين خيرًا أن يوفي لهم بعهدهم ويحاط من ورائهم" [38] ."

ولا ينسى التاريخ موقف أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه حين رد الجزية لأهل حمص لأنه خشي ألا يستطيع أن يحميهم وذلك قبل أن يستقر فتح بلاد الشام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت