إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولا بد لنا قبل الخوض في تفصيل أحكام أهل الذمة من أن نعرف المقصود بأهل الذمة ونلم بالغاية من تمييز هذا الصنف من الكفار بأحكام ومعاملات خاصة، وفيما يلي بيان ذلك بعون الله وتوفيقه.
المطلب الأول: تعريف عقد الذمة:
العقد لغةً من عَقَدَ الحبل والبيع والعهد يعقده: شدَّه، والعقد الضمان [1] ، واصطلاحًا: ربط أجزاء التصرف بالإيجاب والقبول شرعًا [2] ، والذمة لغة بكسر الذال المعجمة العهد والكفالة، وأذمَّ فلانًا أجاره [3] ، وهو أهل لكذا أي مستوجب له [4] ، وقال الجرجاني: الذمة لغة العهد لأن نقضه يوجب الذم [5] .
وأما في الاصطلاح فعقد الذمة: (التزام تقرير الكفار في ديارنا وحمايتهم والدفاع عنهم ببذل الجزية والاستسلام من جهتهم) [6] ، أو (إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة) [7] .
وأما الجزية فقد عرفها ابن قدامة فقال: (وهي الوظيفة المأخوذة من الكافر لإقامته بدار الإسلام في كل عام) [8] .
والأصل في كل ما تقدم قوله تعالى:"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" [9] ، وفي الحديث الصحيح جواب المغيرة لعامل كسرى وفيه:"فأمرنا نبينا رسول ربنا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية" [10] ، وحكى ابن قدامة رحمه الله تعالى الإجماع على جواز أخذ الجزية في الجملة [11] .
وإذا تمحض أن الجزية عقد وجب النظر فيه من جهة أركانه وشروطه وآثاره المترتبة عليه ونحوه، ولسوف أبين القدر اللازم من ذلك كله مما له علاقة ببحثنا حتى يكتمل تصور أهل الذمة فنفرع عليه أحكامهم.
أولًا: من يجوز له عقد الذمة:
لقد تقدمت معنا آية الجزية وفيها ذكر أهل الكتاب، كما تقدم حديث المغيرة وهو يخاطب عامل كسرى وهم من المجوس.
قال ابن حجر رحمه الله:"وفيه إخبار المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتال المجوس حتى يؤدوا الجزية" [12] ، وفي الباب:"ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هَجَر) " [13] ، ولقد نقل ابن رشد رحمه الله الإجماع على جواز أخذ الجزية من أهل الكتاب العجم وكذلك المجوس [14] .
وقال ابن قدامة رحمه الله:"ولا تقبل الجزية إلا من يهودي أو نصراني أو مجوسي إذا كانوا مقيمين على ما عوهدوا عليه" [15] .
وكذا حكى الإمام ابن قيم الجوزية اتفاق الفقهاء على أخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس وذكر