الصفحة 3 من 22

اختلافهم في أخذها ممن سواهم من الكفار على قولين أحدهما الجواز لظاهر حديث بريدة عن أبيه قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه ..."وفيه قوله صلى الله عليه وسلم:"... فإن هم أبوا - أي الإسلام - فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم .." [16] .

قال الإمام النووي:"هذا مما يستدل به مالك والأوزاعي وموافقوهما في جواز أخذ الجزية من كل كافر عربيًا كان أو عجميًا، كتابيًا أو مجوسيًا أو غيرهما" [17] .

واستثنى أبوحنيفة عبدة الأوثان من العرب [18] ، والثاني من الأقوال هو اختصاص أخذ الجزية بأهل الكتاب والمجوس ومن في حكمهم [19] وهو قول الشافعي رحمه الله وأبو ثور، وحكى هذه الأقوال ابن رشد في بداية المجتهد [20] .

قلت: والراجح والله أعلم أن الجزية تقتصر على أهل الكتاب والمجوس والدليل على ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد توقف في أخذ الجزية من المجوس حتى سمع حديث عبد الرحمن بن عوف فلو كان المفهوم من ظاهر حديث بريدة جواز أخذ الجزية من عموم الكفار لما توقف رضي الله عنه في أخذ الجزية من المجوس لأنهم داخلون في عموم الكفار، فدل توقفه رضي الله عنه في ذلك على أن الصحابة رضوان الله عليهم فهموا تخصيص آية الجزية لعموم الكفار، وأن ما سوى أهل الكتاب والمجوس يبقون على الأصل من الخيار بين الإسلام والقتال كما شهدت بذلك نصوص القرآن والسنة، والله تعالى أعلم.

ثم إن نصوص الشريعة دالة على تخصيص أهل الكتاب بجملة من الأحكام، كما أن لتخصيص أهل الكتاب بالجزية حكمة في إبقاء حجة الله على عباده من جهة شهادة القوم على إرسال الله الرسل حيث قال الله تعالى:"وما أرسلنا قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" [21] .

ولقد نبه على ذلك ابن قيم الجوزية وتكلم كلامًا نفيسًا ذكر فيه أن ( .. هذه الحكمة تختص بأهل الكتاب دون عبدة الأوثان فبقاؤهم من أقوى الحجج على منكر النبوات والمعاد والتوحيد) ... (وهذه الحكمة منتفية في حق غيرهم فيجب قتالهم حتى يكون الدين كله لله) [22] .

ثانيًا: من يحق له إبرام عقد الذمة:

اتفق الفقهاء على أن عقد الذمة لا ينعقد إلا من قبل الإمام أو من ينوب عنه، (لأن ذلك يتعلق بنظر الإمام وما يراه من المصلحة، ولأن عقد الذمة عقد مؤبد فلم يجز أن يفتأت به على الإمام) [23] وحكى ابن قدامة عدم علمه بالخلاف في ذلك، وكذا قال الإمام الحجاوي:"ولا يعقدها إلا إمام أو نائبه" [24] .

قلت: وفي حديث بريدة عند مسلم وحديث المغيرة عند البخاري وقد تقدم كلاهما ما يشير إلى ذلك حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمراء الجيش بعرض الجزية وعقدها ولم يجعله أمرًا عامًا لكل أحد من المسلمين خلافًا للأمان الذي يعطيه أفراد المسلمين لأفراد الكفار، والفرق واضح بين الحالتين كما تقدم من جهة المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، والله تعالى أعلم.

ثالثًا: صيغة العقد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت