فهرس الكتاب
أما نحن ... فلقد شاهدنا فتى يافعا، قسيمًا و سيمًا أكحل العينين، ممتلئ الجنبات، لا يختلف كثيرًا عن زهرة شباب حَيِّنا،
لقد كاد أن يكون شابا عاديا أو أنه لم يظهر ذلك الفلم الرَّهيب،
أما بعد أن حدث ذلك، فلقد تحول ذلك"العادِيّ"إلى لغز من ألغاز مؤسسة الفُرقان،
فلا أحد يعلم كيف لبستمه الرقيقة، أن تخفي في نبعها بركان الغضب و الثَّار،
كيف لهذا الهدوء الذي حَط على هيئته، أن يخلق ذلك الإعْصَار،
كيف لفتى وديع، لا تظنه يؤذي نملة ضئيلة، يفجر نفسه بأعدائه كلغم جوال، أو كقنبلة يدوية تُلقى على الخطوط الأمامية للأعْداء،
روضة أشجار و زقزقة عصافير، و رجل يتكلم في الهواء الطلق عن حقيقة السَّعادة،
إنه درس في قيمة الحياة يقدمه رَجل على شاطئ الموت،
تناقض خَلاّب يكشف لنا زيف ما نعرف عن مفهوم الحَياة و المَمات، و يمنح القلب شحنة"يقين"موجبة تسري في عروقه و كأنها مصل وريدي،
مشهد شَاعري لا يوحي إليك أن الرجل مقبل على أمر جلل ...
هذا الأمر الجلل هو الذي منح المشهد قوته، هو ما منح كلماته الحياة،
هو ما أخرج اللّقطة من عاديتها و سقاها بماء الخُلود،
إنه مقبل على الموت في سبيل الله، و لكن هناك أمر آخر يشغل بال ذلك الفدائي
، نعم ..
ذلك الإبن الوفي يحمل هموم الامة حتى بعد رحيله، فهو يريد أن يكون موته كما كانت حياته مسخرة لخدمة هذا الدين، و لنصرة هذه الأمة،
ألم أقل لكم أن حياتهم غير مرتبطة بمدة بقائهم على ظهر المعمورة،