الصفحة 523 من 802

هذه المشاهد يختارها المخرج بعناية، ومن خلالها يثبت براعته وخبرته في انتاج اللقطات التي تسكن في الدماغ قسم"الذاكرة الأبدية"في الفص الجداري،

لا يفهمها السطحيون، أصحاب الفكر المجرد، العاجزون عن قراءة ما وراء السطور،

لكن النقاد المتمرسون يعلمون أن هذا هو الإبداع السينمائي،

وتجده في"إمام بحق"في أعلى قممه ...

بين الكلام عن الطواغيت والرّايات والجهاد وإهانة القرآن، ينقلك المخرج إلى مشهد مختلف قد لا يبدو -من أول وهلة - على صلة بالذي قبله،

فبينما كان الشيخ عبد الرشيد محاصرًا في مسجده مع طلابه تحت إطلاق النَّار، وإذ به يخرج عن النص ويقول:

"وهناك أحد الصحفيين وعدني بأن لا يشرب الخمر مستقبلًا،"

فطلبي منه وهو يعلم عمن أتحدث، طلبي منه أن يلبي طلبي الأخير، ولا يشرب الخمر مرة أخرى""

ما علاقة شرب صحفي مغمور للخمر من عدمه في تلك اللحظات العصيبة؟

هنا يكمن الإبداع في اختيار هذا المشهد الحقيقي ووضعه في سياق هذا الانتاج الفني الأسطوي،

فلقد استطاع أن يوضح أسمى حقيقة من حقائق الصراع بين الحق والباطل،

فالرجل لا يأبه بمصيره بقدر ما يأبه بتوبة رجل مسلم التقاه، فطمع في هدايته ونجاته من النار أيما طمع، وأحب أن يلقى ربه بأجرها ...

بل إن الشيخ قد أسر له بالدعوة، فلقد قال"هو يعلم عمن أتحدث"! أي أن لا غيره يعلم بمسألة المناصحة هذه،

ثم إنه يقول لذلك الصحفي: طلبي الأخير منه!

فهو يعلم أنه مقبل على الموت،

وأنه لن يلتقيه مرة أخرة على وجه هذه الأرض،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت