الصفحة 684 من 802

و لا يشبه ذلك عقد رسول الله صلى الله عليه و سلم صلح الحديبية، لأنه وثيقة أو معاهدة صلح توضح علاقة المسلمين بالكفار، و ليست شريعة يحكم بها النبي عليه الصلاة و السلام بين السلمين،

و لا يشبه ذلك الرأي الشرعي المعتبر (نقل عن الأوزاعي، راجع نصب الراية صفحة 430، و هو رأي السادة الأحناف كما أعلم) بجواز ترك تطبيق الحدود في دار الحرب و بحضرة العدو خشيةَ وقوع مفسدة أكبر، كأن ينتقل المسلم إلى صفوف الكفار خوفا من قطع يده أو جلد ظهره على سبيل المثال، لعدة أسباب منها:

-أن هذا الرأي شرعي، له أصله و هو ليس ببدعة، فبالإضافة إلى ما ذكرناه أعلاه، روي عن علقمة قال: غزونا ارض الروم ومعنا حذيفة وعلينا رجل من قريش فشرب الخمر فأردنا أن نحده فقال حذيفة: تحدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعون فيكم؟ (شرح السير الكبير 4/ 108) ، و روي أن أبا الدرداء نهى أن يقام على أحد حد في أرض العدو، و هو حديث مرفوع أخرجه أبو داود (عند الترمذي في"الحدود - باب ما جاء أن لا تقطع الأيدي في الغزو"ص 187 - ج 1") ، وعند أبي داود في"الحدود - باب السارق يسرق في الغزو" (ص 249 - ج 2) ، والترمذي، والنسائي عن بسر بن أرطاة، قال: سمعت رسول اللّه ـ صلى اللّه عليه وسلم ـ يقول:"لا تقطع الأيدي في السفر"، انتهى. ولفظ الترمذي: في الغزو، قال الترمذي: حديث غريب، والعمل عليه عند بعض أهل العلم (نصب الراية، الصفحة السابقة) ،"

و منه امتناع سعد بن أبي وقاص عن جلد أبي محجن الثقفي في الخمر في غزوة القادسية كما روى ابن حجر , و منه حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه كتب الى عماله (أن لا يجلدن أمير الجيش ولا سرية أحدا حتى يخرج الى الدرب قافلا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلتحق بالكفار) ،

و لقد قال الشيخ المفضال أبو يحيى الليبي - حفظه الله و نصره -قولا جامعا في المسألة:

"ا ختلف العلماء في حكم إقامة الحدود في دار الحرب على ثلاثة أقوال أساسية، أرجحها أن الحدود لا تقام في دار الحرب، وإنما تؤخر إلى أن يرجع الجيش إلى دار الإسلام، وهو الذي دلت عليه السنة وبينته آثار الصحابة وتعليلاتهم."

(كتاب منة الخبير)

و لكنه - حفظه الله - أكد أن العمل على إحياء ما درس من تلك الأحكام واجب على الأمة أفرادا و جماعات، و علل جواز الترك بعدم القدرة أو ترتب مفسدة أكبر، فقال:

"وعليه ففي هذا الزمان حيث عطلت أحكام الشريعة جملة، وأجبر الناس فيه على التحاكم للقوانين الوضعية، وانعدم الإمام العام الذي له السلطان والقوة، فيجب على الأمة أن تتعاون وتتعاضد فيما بينها وبقدر استطاعتها لإحياء ما درس من تلك الأحكام، وإقامة ما عطل منها،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت