الصفحة 76 من 802

الحكمةَ و فصل الخطاب, و كنتُ حينها من عاشِقي كتاباتِه متلهّفًا لجديدِه, فقد كان مشرقَ البيانِ, متينَ العبارةِ, رائعَ الأفكارِ, جميلَ الطرحِ و سلسَ العرض, و قد كان ما يكتبُه متعةً حقيقيةً لكلّ متذوقٍ لفنونِ الكتابةِ و الإنشاء .. و قبل ذلكَ كان قلمُه بحقّ سوطًا شديدًا على أهل الزيغِ و الضلال, يلقي بكلماتِه فإذا هيَ تلقفُ ما يأفِك الباطلُ و يحشد, آتهُ الله بسطةً في العلمِ و ملكةً في السردِ و الكتابة, ثمّ أتمّ نعمتَه عليه أن أتى به إلى أرضِ الهجرةِ و الجهادِ في خُرسانَ الأبيّة ..

حين سَمعتُ بوجودِه بيننا لم أصدِّق بادِئ ذي بَدء, و طِرتُ فرحًا لذلِك و سرورًا, فقَد أحببتُ تلكَ الشخصيّة في اللهِ حبًّا عجيبًا كما كثيرٌ من أهل الإسلام .. ثم لما قدّر اللهُ و شرّفني بلقائِه للمرّة الأولى تكسّرت النّصالُ على النّصالِ, و زدتُ لهُ حبًّا و إكبَارا, فقد كانَ ذا تواضعٍ جمّ, و أدبٍ رفيع, و ذكاءٍ حادّ .. بدايةً لم يشأ أن يُعرّفنا باسمِه خَشيةً من دخولِ الغرورِ على نفسِه, فلمّا جاءَ الحديثُ عن الحسبَة و أحوالها, صرّحَ لي باسمِ مُعرّفه بعدَ إلحاحٍ شديدٍ, فرمَقتُه بنظراتٍ أحسنَ قراءتَها و فهم مغزاهَا, ثم ألحّ عليّ أن لا أنادِيه بذلكَ الإسمِ خوفًا من أمراضِ القلوبِ, و كنتُ كما غيري شديدَ الحبّ لمجالستِه, فقد كان بحقٍّ معينًا لا ينضبُ, و فكرًا منيرًا مستنيرًا, حتى كانت جلساتُنا تمتدّ لساعاتٍ طوالٍ لا أزهدُ فيها بلحظةٍ واحدةٍ, يتلقّاكَ بوجهٍ بشوشٍ وضّاءٍ ,يملكُ قلبَكَ بتواضعهِ الشّديدِ و كلامهِ الرّطبِ الليّن, سهلُ المعاشَرة حسنُ المخالطةِ, لو رأيتُموهُ و هوَ يحضِر أباريقَ الخلاءِ لإخوانِه لعلمتُم أيّ شيءٍ كانَ أبا ليلى, و مِن أيّ رحمٍ ولدَ و على أيّ شيءٍ صُقِل, بل لو رأيتُموه واقفًا في الليلِ على حراسةِ حمارٍ للمجاهدينَ يخشى عليهِ من السباعِ, لأدركتُم أنّه أجدَرُ الناسِ بالوقوفِ على أعظَم الثُّغور حيثُ لا يؤتَى أحدٌ من قبَلِه ..

كان شديدَ الحرصِ على إخوانِه شديدَ الحبِّ لهم, كيفَ لا و هو الذي مَلأ كتاباتِه مدحًا لهم و ثناءًا عليهم و شدًّا على أيديهم, و ترجمَ تلك الكلماتِ بأفعالٍ فاقَتها عرضًا لما يُكنُّه حبيبُنا من عشقٍ للجهادِ و المجاهدين, كان لا يمَلُّ من طرحِ الأسئلةِ على المهاجرين خصوصًا الجدُد, و في جعبَته أسئلةٌ موحدةٌ لا يوفّر فيها أحدًا منهم, لتُشبِع ما في نَفسه من شَغفٍ بقصصِ أهلِ الجهاد و تضعُ النّقاطَ على حروفِ القواعدِ التي قعّدَها في تصوُّره عن هؤلاءِ الغرباءِ المهاجرين, فكان دائمًا ما يسألُ الإخوةَ عن السببِ الذي دفَعهم إلى النّفير, و يستفصِل منهم عن دقائقِ قصصهم و رؤيتِهم, فيزدادُ بذلكَ فرحًا و سرورًا ...

أما العملياتُ الاستشهاديةُ فقد كان حبيبُنا جذيلها المحكّك, و عرّابها الأوّل, فقد كان لا يألُوا جهدًا في التحريضِ عليها و دفعِ الشّباب إليها, حتى أنّني فوجِئت بأوّل يومٍ عرفتُه فيه يسألُني عن استعدادي للاستشهاديةِ, و هل كان جوابي للإخوةِ عليها رفضًا أم إيجابًا, و لما علمَ بجوابي, لم يَزل بي ساعةً أو ساعتين حتى أحرَج كلّ المعذِّرات التي ألقيتُ بها ... ثمّ زال استغرابي حين درَيت أنّه لم ينجُ أحدٌ من سؤاله هذا, و قد سبقَ و طافَ به على أغلبِ الإخوةِ محرّضًا للراغبين و مثرّبًا على الرافضين, كانَ يقولُ -تقبّله الله- أنّ الاستشهاديينَ يصيبُون أعلى درجاتِ الشهداءِ, و ماذاكَ إلا لأنّهم لم يعيشوا فرحة النّصر, بل تركُوها لإخوانِهم من خلفِهم, و يصوّرُ للإخوةِ مكانةَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت