فهرس الكتاب
الاستشهادي عندَ الله و رِفعة منزِلته, فتتوقُ القلوبُ و تشرئبُّ النفوسُ, أما النَّصر فكان يعدُّه أمرًا ثانويًا, متعلِّلًا بقوله تعالى (و أخرى تحبُّونها) ,فيقول قد سمّاها اللهُ"أخرى"فلمذا نجعلُها الأولى! ,
أسرّ لي مرّةً أنّه يتمنّى ساعةً أو ساعتين في مضافةِ الإستشهاديين, يُقلِّب نظرَه فيهم و يغمُر كلًّا منهم بأسئلتِه التي لا تَنتهي, كانَ يقولُ أريدُ أن أعرِف كيف يفكِّر هؤلاءِ و كيف حصّلوا يقينَهم, و في الوقت ذاتِه كان حبيبُنا هو نفسُه منهم و فيهم, فقد أقسَم مرّةَ أنّه لو جُهّزَت له سيارةٌ مفخخةٌ لركبها دون تردّد أو تراجُع, و الغريبُ أن قسَمه هذا جاءَ بعد حديثٍ طويلٍ بيننا عن مشاريعٍ و أهدافٍ و غاياتٍ أغلبها من تخطيطِه وأفكارِه! فنسفَ ذلك كلّه بذلكَ القَسَم يقينًا منه أن الرّكوبَ إلى اللهِ هو غايةُ الغاياتِ لا يسبِقه شيء, و لا ضَير في التفكيرِ في مشاريع لنصرة هذا الدينِ و هذه الأمَّة و لكن على قاعدةِ"بخٍ بخٍ يا رسولَ الله, إنها لحياةٌ طويلة"! ...
هكذا كانَ تصوّر شهيدِنا -كما نحسَبه- للحياةِ و فلسفته فيها ..
أما عبادَته -تقبّله الله و نوَّر روحَه-,فقد كانَ كثير الذّكرِ صاحبَ قيامِ ليلٍ, حتى أنّه كانَ يشتكي من الضّيق الذي أصابَه لعدمِ قدرتِه على القيامِ بسببِ مشقّة التدريب, كانَ كثيرًا ما يذكِّر إخوانَه بالرّقائق و مغذّيات القلوبِ, و يُجمِل لهم النصائحَ و العِظات, لا يكلُّ في تبصير إخوانِه و تنويرِهم, يحبُّ أن يعتقدَ كلّ من أمامَه بالذي يعتقدُه و يدينُ أنّه الحقّ, و ما ذلكَ إلا حبًّا منهُ لهذا الحقّ و رحمةً بإخوانه ..
كان كالأبِ الشفيقِ علينا, و لكم أن تتخيّلوا"أبو دُجانة الخرسانيّ"يمنَع في كثيرٍ من المراتِ إخوانَه من غسلِ الصحونِ و يأبَى إلا أن يغسِلها هو, لكُم أن تتخيّلوه نازلًا من معسكرٍ في أعلى الجبلِ مع حمارين خمسةَ أو ستةَ مراتٍ في اليومِ ليحضرَ الماءَ لهم, لكم أن تتخيّلوهُ و قد فرّغ وقتَه المعدّ للراحةِ لترجمة الدوراتِ العسكرية للإخوةِ الأعاجِم! ,بل الأرقَى من ذلك, سهَرُه ليلًا عندَ الإخوةِ المرضى, و قد قدّر الله أني كنتُ زَبونه في بعضِ الأيام, و رأيتُ منه العجبَ العجاب, خدمةً و اللهِ أنّي لم أجِد دافعًا لها إلا ذلك الإيمانَ و اليقينَ المتوقّد من قلبِ ذلكَ الرجل كما نحسبُه, كنتُ أوقِظه بطريقةٍ مزعجةٍ في منتصفِ الليل ليحقِنّي بالإبر, فلا يتَضجّر أو يتملمَل, بل يوصيني بالاحتسابِ و يدعُو لي, و يذكّرني بعظيمِ أجر الصابرين, ثم يسهرُ معيَ حتى يتيقّن من راحتي و يغمضُ جفنَيه لوهلة .. ثم يوقِظه أخٌ آخر لحاجةٍ أخرى, و هكذا دواليك ..
أذكرُ مرةً في نهارٍ شديدِ المطرِ و في خيمةٍ على قمّة إحدى جبالِ خرسانَ الشامخةِ, تثاقلنَا عن النّزولِ منها لإحضارِ الغداءِ من السفحِ اجتنابًا للمطرِ و خوفًا من وعورةِ الطريق, فلمّا رأى أنّه لا اجتراءَ لنا على ذلك, نزلَ و أتى لنا بالغداءِ, و عادَ و قد غسَله المطرُ غسلًا, فرحمكَ اللهُ يا