فهرس الكتاب
حبيبَ القلبِ و قرّة العين .. بل أنّه في مرّة نزلَ من المعسكر ثمّ ضلّ طريقَ العودة, فباتَ ليلته الباردةَ في العراءِ مفترشًا الأرضَ و ملتحفًا السماءَ, و أتانا فجرًا دون غضبٍ أو انزعاجٍ, فليتَ شعري من أي زمانٍ جئتَ يا أبا ليلى!
أما حينَ كنّا نتذاكرُ مقالاتِه, فكان دائمًا ما يقولُ الويل لي إن لم تكن خالصةً لوجهِ الله, بل حينَ علمَ أن أحدَ الإخوةِ نفرَ بسبب مقالتِهِ (سيناريو جهادي للقاعدين فقط) ,سُرّ سرورًا عظيمًا و انتشى نشوةً أتبعها بتقريعي و التثريب عليَّ أن أخبرتُه ذلك, خوفًا من أن يدخلَ في قلبهِ عُجبٌ أو رياءٌ, و كان دائمًا ما يسألُ اللهَ أن لا يجعلها تشهدُ عليهِ أو أن يكونَ جسرًا يعبر به الناسُ للجنّةِ ثم يلقى في النار! ..
ما رأيتُه -رحمه الله- مغاضبًا إلا مرّتين, مرةً حين استشهادِ الشيخ أبو النّورِ المقدسي على أيدي شراذِم حماس, وأخرى حينَ أتى نبأُ بيتِ اللهِ محسود رحمه الله, فقد كان المذياعُ لا يفارقُه أو يتركُه, و أذكرُ تكبيراتِه بصوتٍ مجلجلٍ حين نفى حكيمُ الله نبأ مقتلِ أميره, و لا عجَب إن كانت غزوتُه باسم بيت الله محسود, إذ كان يكنّ لهُ كثيرًا من الإجلالِ و الحبّ, و كانَ شديدَ الوطأةِ على حماس و أذنابِها, يتمعّرُ وجههُ غضبًا لأحكامِ اللهِ التي هدمتها و دماءِ الموحّدين التي سفكَتها ..
و حين أتاني نبأُ عمليّته, طِرتُ فرحًا و سموتُ فخرًا, و حمدت اللهَ أن شرّفني بلُقياه و النّهلِ من فضائِله و مزاياه, ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما كان لِسوادي أن يفارقَ سواده .. ثم أطرَقتُ كمدًا على فقدِ خيرِ معينٍ و خيرِ حبيبٍ و صديقٍ .. فقد كان الرّحيلُ سريعًا غير متوقعٍ, رحمك الله يا أباليلى فقد أتعبتَ من بعدَك, و تركتَهم للمصاعِب و المشاقّ يكابِدوها و ينازِلوها ...
قد كنتَ لي نعم الخليلُ و قد خَلت***منكَ الديارُ و عادَ عيشُك الثاني
فكرِهتَ عيشَ الذلّ بينَ ظهورِنا***و رغبتَ بالعيشِ الكريمِ الهاني
و لعلّ عزائي أنّني رأيتُه في رؤىً كثيرةٍ, وكان في جميعِها فرحًا مستبشرًا مسرورًا, و في إحداها قال لي عِدني أنك ستنفّذها (أي الإستشهادية) ,فأقسَمت له بذلك, فردّ علي أن لا تُقسم و ادعُ أن يشرحَ اللهُ صدرك لها, فدعوتُ بذلكَ ثم ضممتُه باكيًا وذهبتُ أبشّر إخواني, و حينَ عدتُ سألتُ عنهُ فكان الجواب أنّه في الاستراحة في الطابقِ العلوي ... فأطفَئَت تلكَ الرؤيا شيئًا من نارِ شوقي و حرِّ حزني لِفقد الحبيبِ أبا ليلى ..