فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 31

الإسلام .. بين إستفزاز الكنيسة (1، 2) د طارق عبد الحليم

نشر من قبل Maqreze في 12:31 صباحا - 06 06 1432 هـ (09 05 2011 م)

الإسلام .. بين إستفزاز الكنيسة (1، 2)

الإسلام .. بين إستفزاز الكنيسة والراديكالية اللادينية -1

بقلم د. طارق عبد الحليم

قلة من المصريين، هم من جلدتنا ويتحدثون بألسنتنا، ممن أسبغوا على أنفسهم صفة"الثقافة"، وكأن من عداهم جَهلة أميون، لايعلمون! يخرجون علينا بتوجّهات، تصْحبها آراءٍ وإملاءات، ثم دراسات وقرارات لا تعبر عن ثقافة الأمة ولا عاداتها ولا أعرافها، يفرضونها فرضًا على الحِوارات والتصوّرات في أجهزة الإعلام التي تدار بمن اختير لهذا الدور بعناية، لموالاة هذه التوجّهات بلا تحفظٍ.

والصراع الدائر الآن في مصر، سواء اعترفت به الدولة أو تجاهلته كالعادة، هو صراعٌ دائر بين غالب الشعب من المسلمين الحريصين على هويتهم من ناحية، وبين القبط ممثلين بكنيسة نظير جيد من ناحية، واللادنييين العلمانيين من المنتسبين للإسلام إسما، الخارجين عليه عقيدة، من ناحية أخرى.

تفاصيل الخبر

الإسلام .. بين إستفزاز الكنيسة (1، 2)

الإسلام .. بين إستفزاز الكنيسة والراديكالية اللادينية -1

بقلم د. طارق عبد الحليم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

قلة من المصريين، هم من جلدتنا ويتحدثون بألسنتنا، ممن أسبغوا على أنفسهم صفة"الثقافة"، وكأن من عداهم جَهلة أميون، لايعلمون! يخرجون علينا بتوجّهات، تصْحبها آراءٍ وإملاءات، ثم دراسات وقرارات لا تعبر عن ثقافة الأمة ولا عاداتها ولا أعرافها، يفرضونها فرضًا على الحِوارات والتصوّرات في أجهزة الإعلام التي تدار بمن اختير لهذا الدور بعناية، لموالاة هذه التوجّهات بلا تحفظٍ.

والصراع الدائر الآن في مصر، سواء اعترفت به الدولة أو تجاهلته كالعادة، هو صراعٌ دائر بين غالب الشعب من المسلمين الحريصين على هويتهم من ناحية، وبين القبط ممثلين بكنيسة نظير جيد من ناحية، واللادنييين العلمانيين من المنتسبين للإسلام إسما، الخارجين عليه عقيدة، من ناحية أخرى.

أما القبَط، فقد تناولنا موضوعهم مرات عدة، وتتلخّص خلفية صِراعهم مع الغالبية من مسلمي مصر في التطلعات السياسية لنظير جيد، رئيس الكنيسة، واستعانته بأقباط المهجر في محاولة استقلاله بقطعة من مصر، تشبها بما حدث في جنوب السودان. والكنيسة، في هذا السياق، تتحدى قوة الغالبية المسلمة، وتصِر على أن تشكل دولة داخل الدولة حتى بعد الثورة، إذ إن زعماء الفساد دينهم واحد، ونظير جيد لم يعتبر بما حدث لمبارك، راعيه الأكبر، حتى يسقط سقطة لا قيام له بعدها. ولعل من بيده الحكم اليوم ينتبه إلى أن معالجة هذه الفتنة لن يكون إلا بمعالجة مَصدرها وتجفيف منبعها، وأن إلصاق هذه الإنتفاضات المسلمة للسلفيين أو البلطجية، هو لعبٌ بالنار، وأن لا يقامروا على غباء الشعب، فالشعب ليس بغبي ولا بساذج.

أما القوى الأخرى، المُصارعة على الساحة المصرية، فهي أقلية أخرى تتمثل في العلمانيين اللادينيين واليبراليين. هذه التوجهات اللادينية تتلخص في مذهبين، العلمانية والليبرالية. وهما في آخر الأمر، قريبا الشبه إن لم يتطابقا. وكلا الإتجاهين، رغم كل الضوضاء التي يثيرونها، لا يمثل إلا ما لايزيد عن 5% من المسلمين اللادينيين - إن صحّ التعبير- إضافة إلى 7% من القبط. وهؤلاء المسلمين اللادينيين، يمثلهم، إلى جانب فلول النظام السابق الداعم للعلمانية، عدد من الأسماء المتداولة، رسميًا وإعلاميًا، كيحي الجمل ومحسن النعمانيّ وعمرو حمزاوى وبثينة كامل وعمرو هاشم ربيع وإبراهيم عيسى وعمرو واكد وخالد يوسف، وبعض شباب الثورة المغرّر بهم، كناصر عبد الحميد. وقد تجمع هؤلاء أخيرًا في مؤتمر أطلقوا عليه"مؤتمر مصر الأول"، يناقشون كيفية فرضِ آرائهم على الغالبية الشعبية، إذ يعلم هؤلاء أن الأرضية الشعبية لا تدعم اللادينية، بل هو محض تعسف الأقلية التي تدعى الثقافة، وتستعلى على الشعب، وتعتبره جاهلًا لا يصلح لديموقراطية ولا لغيرها!

الأمر أنّ هؤلاء اللادينيين، يتعَمّدون خلطَ الأوراق وتلبيس المفاهيم وتعمية المُسمَيات. فالمدنية هي العلمانية اللادينية، والحرية هي الإنفلات من القيم، والمواطنة هي غَمط الغالبية المسلمة المغيبة لحساب الأقلية المدعومة الظاهرة، وهكذا. هم إذن يحاولون ما أمكن أن يبتعدوا عن تجريح الإسلام مباشرة، لأنهم يعلمون مغبة ذلك، بل يتدسّسون تدسّس الثعلب المَاكر، لتجريد الإسلام من محتواه"وَمَكَرُوا? وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ"آل عمران 54.

ويجدر بالإشارة هنا إلى أنّ هذا التلاعب بالإلفاظ، وخلط المعاني، ليس وليد اليوم، بل هو عين ما فعلته اللادينية المَسيحية في القرون الوسطى، حين إزداد ضغط الكنيسة وسيطرتها ونشر خرافاتها بين المؤمنين المسيحيين، فعادت العلم وقتلت النساء بدعوى السحر، وسلبت المال والزرع، ومارست كلّ بشاعة، مما دعا الأوروبيين إلى أن يثوروا على سلطة الكنيسة الجائرة، ويهربوا إلى العلمانية اللادينية ليمكن لهم التقدم والخروج من ظلمات الكنيسة والدين المُحرّف، إلى نور العلم الطبيعيّ التطبيقيّ، بعيدًا عن الدين بكافة أشكاله. ومن هنا نرى أن زعماء العلمانية اللادينية في العصور الوسطى قد ابتدعوا لفظ"الدولة المدنية"حتى لا يعلنوا عداءهم للكنيسة صراحة، إن أعلنوا شعار الدولة اللادينية، وليرجع من شاء إلى هيو تريفور روبر في تقديمه الرائع لكتاب إدوارد جيبون الشهير"إضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية"، في طبعته الإنجليزية لعام 1993.

والأمر في الإسلام جدّ مختلفٍ، إذ الإسلام هو الذي أخرج العرب، ومن بعدِهم العالم كله، من الظلمات إلى النور، وهو الذي أنشأ أكبر وأعظم وأعدل دولة عَرفها البشر. فالأمر هنا إذن مَعكوس على هؤلاء اللادينيين، إذ يستخدمون هذا التكتيك لإعادة الناس من النور إلى الظلمات لا العكس.

ثم آخر، هو أن اللادينيين الأوائل في أوروبا، حين أرادوا الخروج على طغيان الكنيسة، لم يكن للكنيسة دور تشريعيّ حقيقيّ تتقدم به باسم الدين المسيحيّ، بل هي طقوس وشعائر عبادية قُصِد بها السَيطرة على مقدرات الأتباع وتسخيرهم كرعايا لهذا النظام الكنسيّ الجائر. فكان أمر الحدّ من سيطرة الكنيسة سهلٌ ميسور إذ لم يكن إلا السيطرة على الآباء الكنسيين وما ابتدعوه، وإعادتهم إلى حظيرة الدين المسيحيّ المحرّف إلى داخل حدود الكنيسة حيث محلها الطبيعيّ، والذي لا يحمل ايّ توجيهاتٍ بشأن الدنيا. أما الإسلام، فهو نظامٌ متكاملٌ للحياة، قدّم للبشرية مثالًا رائعًا في السياسة والإقتصاد والخلق والعلم، وله قوانينه وشرائعه التي تتوازى مع شعائره أهمية ولزومًا. فمحاولة الخلط بين مفهوم"الدولة المدنية"التي أشاعه أتباع النصرانية في القرون الوسطى، وإعادة إحيائه لبيعه في سوق الإسلام في عصرنا، لهو بيعٌ نافِقٌ وتجارةٌ خاسرةٌ.

* الأحد 08 مايو 2011

الإسلام .. بين إستفزازالكنيسة وراديكالية اللادينيين 2

بقلم د طارق عبد الحليم

وما نقصِد اليه هنا، إيضاح النقاط التي تحاول الدَعوة اللادينية تداولها تحت أسماء موهِمة، لكنها في حقيقتها مرفوضة جملة وتفصيلًا من قبل الشعب، إن أفصح هؤلاء عنها باسمائها، وأتحدث عن الشعب لا الإخوان والسلفيون. لكم هؤلاء يعلمون أنهم سَيسقطون سُقوطًا مزريًا إن فُضِحَت هذه التوجّهات بأسمائها، ورُفِعَ عنها نقابُ النفاق.

ومفهوم الحرية، وهو ما تدور عليه رحى هؤلاء، وهو أولُ وأكبر مفهومٌٍ يروّج له العلمانيون اللادينيون، ومن ورائه تأتي أشكال هذه الحرية لتفصِح عن مُرادها. ولنر منها ما يوضّح صورتها ويكشف خبيئها.

فحرية التعبير مثلًا، تعنى في الإسلام حرية النقد للحاكم، وحرية تقديم البدائل في السِياسة والإقتصادِ والإجتماعِ، في إطار الشَريعة الإسْلامية بلا مُمَاحكة في ذلك. كما نعنى حُرية الكتابة والفِكر، في أمور الحياة وأمور الكون، وفي مجالات العِلم والمَعرفة والأدب، دون المِساس بثوابت الشَرع. وثوابت الشَرع هنا تعنى المِساس بمرجعية الشريعة، أوبالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وصحابته وآله، أو تكذيب ما ثبت في الدين، أو الإستهزاء بها، ولو تحت"عنوان الفن والإبداع"الذي استُحدث لتسريب الفكر الإلحادى.

أما عن حرية التعبير في عرف الراديكالية اللادينية فهى تعنى الخروج على كلّ عادة أو عرفٍ أو دين أو قيمة إجتماعية من باب الإبداع أي"الخروج عن المألوف". ولئن سألتهم عما يرون في التعبير من خلال روايات تستهزؤ بدين الله، أو برسوله صلى الله علية وسلم، أو بدينه وشرعه، سواء بالكتابة أو التصوير أو الحديث، ليقولن ما نرى عي هذا من غضاضة، إذ المرء حرّ في التعبير عما يجيش في صدره. لكنك لا ترى أي إضافة على أشكال حرية التعبير، المعتبرة في الإسلام، لدى هؤلاء في مجالات الحياة الجادة التي تحمل قيمًا ترقى بالمجتمع وتساعد على رقيه وتقدمه. ولا ندرى كيف أن التعدى على الله ورسوله صلى الله علية وسلم يكون دافعًا للتقدم والرقي. ثم قل مثل ذلك فيما يسمونه"الفن"، فهو رخصٌ وعهرٌ مُسَطّح، ليس فيه إلا كلّ شرٍ وإنحِراف.

الخلاف هذا في هذا الباب يكمن في رغبة هؤلاء المتطرفين اللادينية في إيذاء مَشاعر أصحاب الدين والخلق، دون إضافة أية قيمة حضارية من خلال هذا الإيذاء.

ثم في مجال العلاقات الإجتماعية، تجد أن الإسلام قد نظم هذه العلاقات بما يحفظ الكَرامة قبل الغريزة، والعِفّة قبل الشهوة، وموازنة حق المجتمع مع حق الفرد. قل ذلك في حقوق المرأة، التي كرمها الإسلام بحفظها من أن تكون سلعة جسدية، متاعًا للناظرين، وحفظ لها حقها في مالها ونسبها بعد الزواج، وحقها في أن تُخدَم لمن قدر على توفير ذلك، وجعلها قوّامة على أهم مكونات المجتمع، ألا وهم الأبناء، وسمح لها، بل حَثها على العِلم بشروطه، كما أتاح لها، إن عَسَر بها القدرُ في زواجٍ أو طلاقٍ أو ترمّلٍ، أن تكون زوجة ثانية للقادر المريد، حرصًا عليها وعلى المجتمع من الخنا والرذيلة. ولست بصدد تعداد ما جاء به الإسلام في مجال حرية المرأة، لكنه قطرٌ من بحر. وقل ذلك في حقوق الجار والشريك والزميل، ومنع الغيبة والنميمة وحقٌ الوالدين، طوال الدهر لا في يوم الأم أو الأب وحده، وحق الزوج وحق الزوجة، وكافة أشكال التعاملات الإجتماعية بين الناس.

لكن تجد أن دعوة هؤلاء في مجال العلاقات الإجتماعية تدور حول نفسِ الرحى، فما اضافته لذلك هو في الدعوة إلى التحَلل من قيودِ الخُلق والدين بدعوى الحُرية، فتعطى المَرأة حق التعرى، متعدية على حق المجتمع، وناشرة للرزيلة، بل يصل الأمر ببعض مُلحدات المجتمع أن تدعو إلى السَماح بالشذوذ والدعارة بتصريح الدولة! وتعطى الناس حقّ تعاطى المُسْكر، والزنا قبل الزواج بدعوى التحقق من مناسبة العريس!! وحق إتخاذ الأخدان تعديًا على حقّ الأسرة والمرأة. ثم إغلاق ما أتاح الله للمرأة من أبواب الفرج كالتعدد، الذي يظلم أو ما يظلم شريحة كبيرة من نساء المجتمع لحساب طائفة منهن، والتلاعب بسن الحضانة لإفساد دور الاباء في تربية الأبناء، ومن ثم تحليل قاعدة المجتمع الأسريّ كما هو حال الغرب.

هكذا، تجد أن ما أضافه هؤلاء لا يتعدى الإفساد ونشر الرزيلة من جنسٍ وخمرٍ وشذوذٍ، مما لا ينتج إلا مجتمعًا من مرضى النفوس وفاسدى الخلق، إذ أين القيمة الحضارية فيما أضافوا أو حذفوا؟

أولئك العلمانيون الليبراليون اللادينيون إذن، ليس لهم عُمقٌ حَضارىّ ولا أصالة فكريةٌ أو أخلاقية بأي درجة من الدرجات، في أي جانبٍ من جوانب الحياة والفكر. بل هو الجِنس والعُهر ونَشر الرزيلة، تحت مُسمى التقدم والحرية، التي هي منهم ومنهن، براء.

إن هذه التجمّعاتِ المَحمومة، التي تنادى بالحرية الفردية المطلقة، التي لا يحدها حدّ، ويدعون صَراحة لإلغاء الرجوع إلى الشريعة كمصدرٍ رئيسيّ في الدستور، لا المَصدرَ الوحيد كما يجب لها، إنما هم أعداء الأسرة، والآباء، والأبناء، والمجتمع. أولئك هم ناشروا الرذيلة ومروجوا الفاحشة، ومحاربوا القيم والخلق، لا أكثر ولا أقل.

إن الوقوف في وجه أولئك الداعين إلى هَذه الرَزائل المُغَلفَة والفَسَاد المُعَلّبِ هو واجبُ كلّ مُسلم، بل كلّ مُحبٍّ لوطنه وأهله، أن يمنع عنهم الشرّ القادم في ثنايا هذه الدعوات المُخرّبة. وصدق الله"فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً? وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الْأَرْضِ"الرعد 17.

وإنّا، إن شاء الله تعالى، لهم لبالمرصاد.

* الاثنين 09 مايو 2011

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت