الإتجاهات الإسلامية .. والعَودة إلى الأصولية الشَرعية د. طارق عبد الحليم
نشر من قبل Maqreze في 08:32 مساء - 18 05 1432 هـ (21 04 2011 م)
بقلم د. طارق عبد الحليم
الصورة التي تسود العمل الإسلامي الآن هي أقرب ما تكون للفوضى والعَبثية التي لا تخضع لميزانٍ ولا تتحاكم إلى مَرجعية. وقد يكون هذا أثر جانبيٌّ من آثار الإنفجار الذي أخرج هذا العَمل، بكافّة اطيافه، من الظلام إلى النور، بعد ثلاثين عامًا من الإستخفاء والتربّص. وهو ما يبعث في ذاكرتي ذات المَشهد في أوائل السبعينيات، حين أطلق السَادات سراح الإسلاميين، من سجن البدن وسجن الكلمة على السواء، ليواجه بهم المدّ الشيوعيّ، حيث عجّ المشهد الإسلاميّ وقتها بكل قولٍ وإتجاه، بلا ضابطٍ ولا رابط. وظهر الشباب، من المخلصين قلبًا، المتواضعين علمًا، فعاثوا في هذه السّاحة. وأذكر أن مقولة"أن الجاهل يُعذر بجهله"سادت آنذاك حتى قيل ان"الأوفق ألا تدعو من أحببت لئلا ينكُص، فدعه، فهو معذورٌ بجهله"! وهو ما دفعنى حينها، بعون إخوة لي أحباء، لكتابة"الجوابِ المفيد في حُكم جاهلِ التوحيد".
تفاصيل الخبر
بقلم د. طارق عبد الحليم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
الصورة التي تسود العمل الإسلامي الآن هي أقرب ما تكون للفوضى والعَبثية التي لا تخضع لميزانٍ ولا تتحاكم إلى مَرجعية. وقد يكون هذا أثر جانبيٌّ من آثار الإنفجار الذي أخرج هذا العَمل، بكافّة اطيافه، من الظلام إلى النور، بعد ثلاثين عامًا من الإستخفاء والتربّص. وهو ما يبعث في ذاكرتي ذات المَشهد في أوائل السبعينيات، حين أطلق السَادات سراح الإسلاميين، من سجن البدن وسجن الكلمة على السواء، ليواجه بهم المدّ الشيوعيّ، حيث عجّ المشهد الإسلاميّ وقتها بكل قولٍ وإتجاه، بلا ضابطٍ ولا رابط. وظهر الشباب، من المخلصين قلبًا، المتواضعين علمًا، فعاثوا في هذه السّاحة. وأذكر أن مقولة"أن الجاهل يُعذر بجهله"سادت آنذاك حتى قيل ان"الأوفق ألا تدعو من أحببت لئلا ينكُص، فدعه، فهو معذورٌ بجهله"! وهو ما دفعنى حينها، بعون إخوة لي أحباء، لكتابة"الجوابِ المفيد في حُكم جاهلِ التوحيد".
(1) ... مقدمة ضرورية
إذن، الشبابُ هو الشباب، إندفاعٌ وتهورٌ وتعصّبٌ وحَماسٌ لما يراه الحَق، وإغضاءٌ وإهمال وتكديرٌ لمّا عجز أن يرى فيه الحق، إلا من عَصَم الله. وهذا الخُلق، مع الأسف، نجده، غالبًا، غاليًا فيمن أتخذ شيخًا، عالمًا أو داعية أو أيا كان، موجّها ومُرشدًا، فهو لا يرى غير هذا الشيخ شيخًا، ولا غير هذا الداعية داعيًا. وأحسب أنّ هذا الوباء إنما سببه بعض الشيوخ والدعاة أنفسهم، إذ حين يتمكن الغرور وحُبّ الشُهرة وكثرة الأتباع من قلب احدهم، يَعزّ عليه ان يرشِد الشَباب إلى آخرين من دونه، أو إلى مراجعة أفكاره واطروحاته، وهو مما يناسب كثيرًا من الأتباع كذلك، إذ إن الركون إلى مقولات شيخٍ أسهل طريقًا من البحث والتنقيب والتمحيص.
وقد رأيت ما تفضل عليّ به عدد من أتباعِ بعض الشيوخ، من أوصافٍ تترواح بين عدم فهم السُّنة أو الإلتزام بها، كما في"طارق عبد الحليم، غير متبع للسنة النبوية ينبغي الحذر من كتاباته"، أو عدم تقدير علم الحديث، إلى فيض من اللعنات على"القطبيين"والتحذير من مؤامراتهم، أو تفسير كتاباتي برغبتى أن أكون"مشهورا بسبابه على العلماء". والحق أنّ أكرهُ ما عليّ هو الردّ على مثل هذه الوصَمات الباطلة، لكنى أعلم أنّ هؤلاء الشباب، المُدوّنين لآرائهم هذه، بهم من الإخلاص ما يشفع لهم، فيجب علينا أن نبيّن لهم عدم صحة هذه الآراء، معذرة إلى ربنا، ولعلهم يتقون. ونقد المشايخ، برقة أو بعنفٍ، أمرٌ شرعيّ واجبٌ، إذ هم رؤوسٌ يجب التعريف بزلاتهم إن كانت في الأصول والأمور العامة التي يتجاوزُ أثرها مستفتٍ أو اثنين. أمّا توجيه الشباب في أمر السباب، فيجب ان يتخذ شكلًا مختلفًا عن النقد إلى الإيضاح والتصحيح.
أما عن تقديرى لعلم الحديث، فوالله إن هذا محض إفتراءٍ على الله، فإن علم الحديث هو أجل العلوم الشرعية، إذ هو العلم بقول أفضل البشر صلى الله عليه وسلم، وكيف يكون مسلمًا سنيًا غير مهتمٍ بعلم الحديث، وقد وضعت كتابًا في علم مصطلح الحديث ومناهج المُحّدثين، باللغة الإنجليزية، يجده القارئ على موقعى، لعلمى بندرة هذا الأمر وتعطش الإخوة الناطقين بالإنجليزية لهذا العلم. ولا أدرى لم لا يرجِع هذا الشَباب إلى ما كتبتُ منافحة عن علم الحديث، وبالذات عن حُجية حديث الآحاد، ضدّ من تدسّس بالإعتزال كمحمد عِمارة، ومن تلاعَب بالسّنة كمحمد سليم العوا وحسن الترابيّ وغيرهم.
أما عن إني غير مُتّبعٍ للسّنة، فما تحَدّثت عن فتاوى علماء التثبيط والتخذيل إلا إتباعًا لسُّنة سيد البشر صلى الله عليه وسلم، التي ينتقِصها هؤلاء بترويجهم للسُكوت على الظلم، بل بالتعاون مع رُموزه بدعوى منع الفتنة! وكأن توجيه الشَباب ليكون عميلًا للظَلمة الطواغيت ليس فتنة في ذاته، وليس تكريسًا للفتنة والظلم، أشد ما يكون الدعم والتكريس. ولعل الأفضل لهؤلاء الشباب المَخدوع عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم أنْ يوجّه نقدًا موضوعيًا لما تناولته في مَقالاتي، وأن يقرأ ما دوّنت في الأربعين سنة الماضية قبل أن يلقى بالأقوال على عواهنها. وإن التشدّق بقولة إن"الرجال يعرفون بالحق"يجب أن يكون موقفًا وإلتزامًا، فعلًا لا قولًا، حتى لا يقع المُتشدق بها تحت مدلول قوله تعالى"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا? لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا? مَا لَا تَفْعَلُونَ"الصف 3
أما عن موضوع"القطبية"، فلا أعلم عما يتحدث هؤلاء!، فالشيخ العبدة ليس من أشد المُعجبين بسيد قطب على الجُملة، كما أن الشيخ السّباعي لم يكن يومًا"قطبيًا"أيا كان المقصود بهذا التعبير، والذى لا أراه إلا مرادفًا"للتيمية"أو"القيمية"أو"الوهابية"أو"المودودية"أو ما شئت من نسب اسمية لا غرض لها إلا تمزيق السُّنة، على نهج المستشرقين، وحصر السُّنية في عدد من الشيوخ الذين إشتغلوا بعلم الحديث فقط، على جلالته، وغزوا عقول هؤلاء الشباب بالمُصطلحات الحديثية التى أوهمت هذا الشباب بأن هؤلاء هم العلماء، ولا علماء غيرهم، ممن اشتغل بعلم الحديث وبغيره من علوم الإسلام.
أما عن"الشُهرة بسباب العلماء"، فوالله ما سعيت لها يومًا، ولو أردت لفعلت، ولكن هذا أمر بينى وبين الله سبحانه، لا محلّ لبشر فيه. وهل يا ترى كشف عوار المعتزلة من أمثال مُحمد عمارة وسليم العوا والترابيّ والغنوشىّ، من أدعياء التجديد المُحدَث والوَسطية الخَربة، هو كذلك من السعي وراء الشهرة؟ وهل الحديث عن زلاّت الشيخ القرضاوى، على فضله، وبيان خطورة كتابات طه جابر علوانيّ وزكي نجيب محمود وعابد الجابرىّ عن السنة والحديث، وهو ما دونته قبل أن يولد غالب هؤلاء الشباب، هو كذلك طلب للشهرة بسباب العلماء؟ لعل من الأفضل لهذا الشباب، أن يرجع إلى موقعنا ليقرؤا قبل أن يقعوا في خطإ لن يعود على أحد بأذى إلا عليهم. هداهم الله.
(2) ... الإتجاهات الإسْلامية، وخريطة العمل الدعوى
الشارع المصري تترواح فيه اليوم إتجاهات عدة تجتمع كلها في المادة أو القاعدة التي تعمل عليها وهي"شعب مصر". ومن هنا فإن كل هذه الإتجاهات سيكون فلاحها في الدعوة هو قيد فهمِها لهذه القاعدة، وتفاعلها معها، ومَعرفة إحتياجاتها، ومدى استعدادها إجتماعيًا لقبول التطبيق العَمليّ للشَرائع الإسلامية الإجتماعية. كذلك سيتحدد هذا النجاح على مدى قدرة قيادات هذه الإتجاهات من الإقتراب من القاعدة العريضة، دون تفريطٍ في المّسلمات والثوابت الشرعية، ومن ثم، تحديد العلاقة بين أتباعهم وبين عامة أفراد الشعب. كذلك يتمثل نجاحها في تقديم تصورات متكاملة عن علاج الوضع الداخليّ ورسم صورة التعامل مع العالم الخارجيّ ومع المؤسسات الإقتصادية الربوية التي تسيطر على العالم نقديًا.
وقد فرقنا في تحليلنا التالي بين البعد السياسيّ والبعد النظريّ العقدي لهذه الإتجاهات، ليكون واضحًا في النقد التحليليّ، إلى أيّ منها يتوجه، وإلى أنّ هناك فرقٌ بعيد بين البعدين، في بناء كثيرٍ من هذه الإتجاهات.
عقديًا: هو إتجاه التركيز على العَلم النظريّ خاصة الحديث. ولا شكّ أنّ"السلفيون"لديهم قاعدة نظرية قوية حميدةٌ، تتلاءم نظريًا مع سنّة المصطفى صلى الله عليه وسلم في عديد من جوانب شرك النسك والشعائر، وفي كثيرٍ من المبادئ والواجبات الإسلامية الإجتماعية كالحجاب أوالنقاب، والأعياد، والمغاني ولهو الحديث، وغيرها. كذلك فإن مصادر تلقيهم تعتمدُ على الصحيح من حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهو ما يجعلها موثقة إلى حدٍ كبيرٍ فيما ذكرنا من مسائل، إلا إنها لا تتعدى إلى فهم منهج النظر والإستدلال السنيّ والذي كما اشرنا من قبل، يتعدى"حدّ الإسناد"على حسب قول الإمام الزهرى، الذي قال فيه محمد بن سعد صاحب الطبقات"كان الزهرى ثقة، كثير الحديث والعلم والرواية فقيها جامعا"، وهو مربط الفرس هنا، أنه"فقيها جامعًا"، وهو ما يَفتقد مَشايخ"السلفيون"في عصرنا هذا، مما يجعل توجهاتهم السياسية إرجائية المنحى، إن صحّ أن لهم توجهًا محددًا، كما يجعل توجهاتهم النظرية الفقهية ظاهرية المنحى.
سياسيًا: يقوم على"تحريم المعارضة"ووجوب التعاون مع الحاكم، سواء منهم الغُلاة كالمَدخَلية، وهم فرقةٌ عملاء للسلطة قولًا واحدًا، وبين آخرين منهم، لم تصل بهم الحال إلى التجسّس والدسّ على المُسلمين، وإن شاركوا أولئك في عددٍ من آرائهم في سُنية الخضوع للحاكم الظالم الباغي الكافر، أيًا كان، والرضا بغنيمة الأمن، زعموا! وهؤلاء تجد أنهم لا يزالون في تشتتٍ من الرأى وتناقضٍ في العمل. فبينما تجد من قياداتهم من يحرّم التظاهر ويرى المتظاهرين جمهورًا صارخًا بلا عقل، يخرج منهم ألافٌ للتظاهر من أجل الأخت كاميليا شحاته! وكأن التظاهر لدرء الظلم عن أخت أو أخوات يعدون على الأصابع، أولى من التظاهر لردّ الظلم والعدوان على شعبٍ كامل! اللهم متّعنا بنعمة العقل، آمين! كما أن منهم من صرّح بإنشاء حزبٍ سياسيّ، ومنهم من نقض ذلك وصرّح أنه لا محلّ للسلفيين في السياسة، لكنهم سَيناصرون أحزابًا او جماعاتٍ معينة إن ترشحوا، كما جاء عن الشيخ احمد النقيب.
إذن، فإن هذه الجبهة لا تزال متردّدة، حائرة في أمر نفسها، ومن ثم، لا يمكن أن يعتمد عليها الشَباب في تكوين رأي صحيحٍ في الواقع وطرق التعامل معه. والحقيقُ بهؤلاء، والأولى بهم، أن يقدموا ما يستطيعوا تقديمه للشباب في مجال الرواية وإثبات النصوص الحديثية، وهو دورٌ جدُ هامٍ، حتى ينشا جيلٌ يقدرُ الحديثَ ويعرف مكانته وحُجية السنة المطهرة، ويقف في وجه محاولات من يحاول التطاول عليها. ثم بعد ذلك يجب على هؤلاء الشيوخ أن يتركوا تأويل هذه الأحاديث، وتنزيلها مَنازلها للذين يَستنبطونه من العُلماء، فإن في هذا خير للجميع وأحسن تاويلًا.
ثم لا أحسب أن بُعد السياسة الخارجية لمصر، أو التعامل مع الأوضاع الإقتصادية القائمة على المؤسسات البنكية الربوية، هي في أذهان هذه الفئة من المسلمين، على أي درجة من الدرجات، مما يجعلها حركة إجتماعية محدودة الأثر، مهما حاولت غير ذلك.
عقديًا: يعتمد الإخوان منهج التركيز على الحركة دون الفكرة والدرس، وهو ما جعل شبابهم أقل حصيلة في العلوم الشرعية من"السلفيون"، وأدى إلى تسيبّاتٍ فقهية عديدة، نشأت من الخَط الإرجائي المُعتمد عند الجماعة في دستورهم"دعاة لا قضاة". وقد أنذرهم كثيرٌ من علماء أهل السنة والجماعة بشأن هذه التجاوزات العقدية، مثل الشيخ المُحدث الجليل أحمد شاكر، وأخيه العلامة الجليل محمود شاكر، فيما دوّناه على تفسير الطبرى في قول الله تعالى"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"، حيث ذَكّرا إن على من يتلاعب بتأويل نص الحديث عن بن عباس وأبي مجلز، في موضوع"كُفرٍ دون كفر"أن يُنتبه لذلك، وإلا"فحكم الكافر المصر على كفره معروفٌ لأهل هذا الدين"تفسير الطبري-تحقيق أحمد ومحمود شاكر- طبعة دار بن الجوزى، ج10 هامش ص349. ومعلوم أن مُرتكز الإخوان في قواعِدهم العَقدية هو هذا النصّ المؤول. ومن هنا فإنّ أمر دعوة الإخوان، يجب أن يقوم على مراجعةٍ للأسس والأصول التي ترتكز عليها، لا مجرد الحَركة بما هم عليه دون تمحيصٍ أو تصحيح.
سياسيًا: هو إتجاه"المعارضة المهادِنة"والإختلاف مع الحاكم حَسب الوضع الأمنيّ: وهو ما رأيناه في مسار الدعوة الإخوانية خلال العقود الخمسة السالفة، مما يعرفه كافة المهتمين بهذا الأمر. والإخوان، قد برّروا مشاركتهم السياسية في نظم الفساد والظلم، بل والكفر العلماني، بأمرين، أولهما عقدىّ، من أن هذه النظم ليست من الكفر في شيئ، وثانيهما: أنه يجب محاولة الإصلاح من داخل المؤسسات الخَرِبة، وكلاهما إجتهاد غير مُصيب، كما دلت عليه نتائج هذا التوجّه، فإن التغيير جاء من داخل صُفوف الشَعب، لا من داخل المؤسّسات الخَربة التي لم يقدم من خلالها الإخوان شيئًا يُذكر طوال عقود من المُشاركة.
والإخوان، على الصعيد السياسيّ، جماعة تتمتع بتنظيمٍ عمليّ، ووعيّ بالعمل الجماعيّ على مستوى عالٍ بلا شك، لا يوجد مثلها في المؤسّسات المَدنية العَاملة بين أبناء الشَعب. لكن التركيز الإخوانيّ على العمل السياسيّ خلال العقود السَالفة، جعل التأثير الإخوانيّ في الشارع المصريّ قاصر على منتسبيها، ولم يتمكن من الوقوف في وجه التمدّد العِلمانيّ من ناحية، أو يحدّ من التعاطُف والإنخداع في أوساط العَامة بمن يلبّس الحقّ بالباطل ويبدّل المَفاهيم الثابتة من ناحية أخرى. وهو ما أشَرنا اليه سابقًا حين نصَحنا الإخوان، بعد الإنتخابات المُزوّرة، أن يرجعوا للشَارع المصريّ والقيام بالدعوة بدلًا من المُشَاركة في المَهرجانات السياسية الكوميدية (راجع مقالنا"الإخوان- خطوة أراها في طريق الحق- يناير 31 2010 - http://www.tariqabdelhaleem.com/new/Artical-396) ، وهو ما ثبتت صحته، بعد أن خرجت الثورة من رحِم الشعب، لا من رحِم الإخوان."
عقديًا: وهؤلاء هم أهل الأصولية الإسلامية والمَرجعية الشَرعية الصَحيحة، التي تجمع بين العلم الشرعيّ بكافة مجالاته، وبين فهم الواقع والدقة في توصيفه، وتحقيق مناطاته. وليس هنا موضع تأصيل البعد العقدى لهذه الطائفة المنصورة، إلا إنها تأخذ بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الصّحيحة، على فهم الصَحابة والتابعين، وتعتبر مقاصد الشريعة العامة، دون تعارضٍ بين قواعدها الكلية وأحكامها الجزئية. ويحذَر أهل هذا الإتجاه من تسرّب جراثيم الإرجاء والخروج والإعتزال والظاهرية والصوفية، وسائر البدع التي ضربت عددًا من الإتجاهات الأخرى، فقلّلت من أثرها في الواقع المُعاش. وهذه الأصولية الإسلامية هي التي تمهدُ لمجتمع مسلمٍ مؤسّس على الكتاب والسنة، بفهم منفتحٍ على إحتياجات العصر، مما لا يتعارض مع هذه الشريعة الغراء، ودون أن يتمحّك في قواعد الفكر الغربيّ بتحوير مفاهيم وثوابت إسلامية أصلية.
سياسيًا: هو إتجاه لم يتح له الحديث سياسيًا أبدًا، في الخمسين عامًا الماضية، إذ رُمِىَ بكل أوصاف الإرهاب والتكفير والخروج والتعصب والغلو، من السلطة الطاغوتية، ومن أبناء الحركات الإسلامية الأخرى على حدٍ سواء. وهؤلاء، على وعيّ بما عليه الواقع، شعبيًا ورسميًا. إذ هم، بوصفِ رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، ظاهرين على الحق، والظهور على الحق يعنى بالضرورة فهم الواقع والخروج بفتاوى تتلاءم مع المنهج الأصوليّ الإسلاميّ، ومع معطيات الواقع، بما فيها من جوانب إعتبار المَصالح والمَفاسد حسب ما تمليه القواعد الشرعية بلا تضاربٍ ولا تعارض. كما أن هذا الإتجاه لا يُقدم تنازلات"سياسية"بما يناقض بها الشريعة، بعذر تجنب الصّدام مع"القوى السياسية"الأخرى، كما يفعل بعض منتسبى الإتجاهات المذكورة في مسائل تولية المَرأة والقبطيّ على سبيل المثال، مداهنة ومُصَانعة.
(3) ... المخاطر التي تواجهها الإتجاهات الإسلامية:
وهذه المَخاطر والتحدّيات تكمُن في عدد من العواملِ المشتركة:، ثم يبقى لكل إتجاه خصوصِيته في التحدّيات القائمة. ومن هذه المخاطر:
ثم تبقى التحديات التي تواجه هذه الإتجاهات، والتي تختلف بتغير تركيبة كلّ منها، وواقعها على الأرض، ومواقفها السياسية، ومرونتها في التعامل مع الناس، وإستعدادها لتغيير وسائلها في المرحلة القادمة. كذلك، وبالنسبة لأهل السنة، فمن أكبر التحديات هي أن تبدأ مرحلة تنسيقٍ بين من يمثلون هذه الطائفة من الشيوخ والدعاة، لتوحيد الجهد، ومحاولة الخروج من ذلك القالب السريّ في الحركة، بل ومحاولة تفكيك الإرتباط بين الإطار الفكرى الحركيّ لأبنائها وبين البعد الأمني. وفي هذا الشأن، لعل إقتراحًا طرَحَه أحد الأبناء الأحباء من قارئي موقعنا، أن توجّه دعوة لإجتماعٍ من يراه القائمون على هذه الدعوة قادرًا على الإضافة إلى توحيدِ وتوجيه هذا الإتجاه، ورسم خطوات الدعوة ومَعالمها في الفترة القادمة. وأرى أن مثل هذه الدعوة منوطة بشباب أهل السنة أن يوجهوها، إذ الشباب، كما رأينا، هم من يقود المبادرات، وهم من يغذونها بالوقود اللازم لحركتها وإستمراريتها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
* الخميس 21 أبريل 2011