الصفحة 180 من 359

للمرء أن يستقبل قبره (1) ويدعو. وهذا الذي ذكرناه عن مالك والسلف يبين (2) ضعف ما ينقله المحرفون عن مالك ونحوه، مما يخالف ذلك مما هو خلاف مذهبه المعروف بنقل الثقات من أصحابه، وهو نص على أنه لا يقف عند قبره للدعاء مطلقًا، ولم يذكر أحد من الأئمة أن أحدًا منهم استحب أن يسأل أحدًا (3) بعد الموت، وإنما يعرف ذلك في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن أعرابي أنه أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم

فاحتجوا بهذا الحكاية التي لم (4) يثبت بها حكم شرعي، لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعًا لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل (5) .

(1) في"الاقتضاء":"قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو عنده".

(2) في"م":"يبين ما ضعف ...".

(3) في"ش":"أحدًا منهم".

(4) في (المطبوعة) "لا ينبغي أن.."وهو تحريف.

(5) الحكاية التي عناها المؤلف-رحمه الله -هي قصة العتبي محمد بن عبد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان، وقد ذكرها ابن عساكر في"تاريخه"، وابن الجوزي في"مثير العزم الساكن"كما عزاها لهما الحافظ ابن عبد الهادي- رحمه الله-.

وقد بيَّن الإمام ابن عبد الهادي وهاء هذه القصة، وأنها مخلقة باطلة فقد قال:"وهذه الحكاية التي ذكرها بعضهم يرويها عن العتبي بلا إسناد وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي، وقد ذكرها البيهقي في كتاب"شعب الإيمان"بإسناد مظلم إلى أن قال:"وقد وضع لها بعض الكذابين إسنادًا إلى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- كما سيأتي ذكره، وفي الجملة ليست هذه الحكاية المذكورة عن الأعرابي مما يقوم به حجة، وإسنادها مظلم مختلف، ولفظها مختلف أيضًا، ولو كانت ثابتة لم يكن فيها حجة على مطلوب المعترض، ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية ولا الاعتقاد على مثلها عند أهل العلم وبالله التوفيق"انظر:"الصارم المنكي": ص 337-338."

وقال أيضًا في ص 430:"وأما حكاية العتبي التي أشار إليها فإنها حكاية ذكرها بعض الفقهاء والمحدثين، وليست بصحيحة ولا ثابتة إلى العتبي، وقد رويت بإسناد مظلم ... وهي في الجملة حكاية لا يثبت بها حكم شرعي لاسيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعًا مندوبًا لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من غيرهم ...".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت