الصفحة 208 من 359

قلت: وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة أعظم تحذير من الغلو وأسبابه الموصلة إلى الشرك بالله، فقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من المحدثين في كتبهم (1) ، بأسانيد صحيحة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها"أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال:"أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" (2) وهذا يقتضي تحريم بناء المساجد على القبور. يحقق ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لعن من فعل ذلك."

قال شيخ الإسلام (3) : (وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ المساجد على القبور، هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم الكواكب ونحو ذلك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر(4) ، ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها، ويخشون ويخضعون، ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجون في المساجد، فلأجل هذه المفسدة حسم النبي صلى الله عليه وسلم مادتها، (5 حتى نهى5) (5) عن الصلاة في المقبرة مطلقًا، / وإن لم يقصد المصلى بركة البقعة بصلاته، كما يقصد في صلاته بركة المساجد، كما

(1) سقطت من"ش":"من المحدثين في كتبهم"، وقد كتبت في"م"ثم شطب عليها.

(2) سبق تخريجه.

(3) انظر"الاقتضاء": (ص 674و 676و 667) .

(4) في"م"و"ش":"أو بحجر".

(5) سقطت من"م"و"ش":"حتى نهى".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت