بالإيمان الواجب، ولا يُنفى الإيمان إلا لأحد هذين السببين .. ولما كان الحكم لله وحده والتسمية له وحده رددنا هذا الظني المتشابه إلى المحكم من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لنعرف مراد الحق من ذلك .. فوجدنا أن الغش ذنب دون الشرك الذي قال الله تعالى فيه {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ونظرنا في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم فوجدناه لم يكفر الغاش في البر ولا أحل دمه و ماله، فوقفنا عند حدود ما شرع الله لنا وفسرنا (فليس منا) بأن عمله ليس من طريقتنا ولا سنتنا، وهو ليس منا أي ليس من المؤمنين الذين أتوا بكمال الإيمان الواجب، بل هو من عصاة المؤمنين وناقصي الإيمان، فحملنا النفي على درجة من درجات الإيمان؛ هي درجة الإيمان الواجب أو جزءا منها دون أن ينتقض ذلك من أصل الإيمان، ثم رجعنا إلى قوله تعالى {بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} فوجدنا أن قوله تعالى {إنه منهم} لا يمكن أن يحمل على غير الكفر؛ لأن المشركين والكفار كلهم خارج دائرة الإسلام وجميعهم ليسوا من ملة الإسلام، وإن تفاوتت درجات عداوتهم للدين، ونظرنا في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فوجدناه قد أهدر دم من خرجوا في صف الكفار في بدر، وكثّروا سوادهم أو ظاهروهم ـ ولو في الظاهر ـ على الموحدين، وأنه عامل من أسر منهم معاملة الكفار - مع أنهم زعموا الإسلام - كعمه العباس فقال له (إنما لنا ظاهرك) وقال: (افد نفسك وعقيل) فعرفنا ان قوله تعالى {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} على ظاهره وحقيقته، إذ لم نجد له صارفًا يصرفه عن ذلك إلى معنى آخر أخص كالنص الأول؛ ولذلك ذكر غير واحد من أهل العلم ومنهم الإمام ابن حزم؛ الإجماع على إمضاء هذه الآية على ظاهرها .. .وعليه فلا يصح بحال قياس هذا على هذا أو إلحاق هذا بذلك ..
2 -ويقول تعالى: {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان * ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب} الانفال
ففي هذه الآيات ذكر الله تعالى وصفا ظاهرا ومنضبطًا جعله سبحانه علة وسببا لإباحة ضرب أعناق أهله الذين يتصفون به، وبيّن أنهم من الذين كفروا وعاقبهم بأن قذف في قلوبهم الرعب وأباح دماءهم .. {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} .
والمشاقة: أن يكون المرء المشاق في الشق المناوئ لشق الله ورسوله ..
وكذلك المحادة ان يكون المحادد في الحد المقابل والمواجه لحد الله ورسوله ولذلك قال تعالى: {ألم يعلموا انه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدًا فيها ذلك الخزي العظيم} التوبة.
والوعيد بالخلود في نار جهنم لا يذكر غالبًا إلا في حق الكفار ..