فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 778

المعرفة الوضع التاريخي الذي نزلت في جوه سورة التوبة، والذي يعين على فهم المقصود منها نرى أن نعوض سراعا للمراحل العملية للدعوة والجهاد من وفت بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الوقت الذي نزلت فيه، لنعرف منه كيف تدرجت حالة المسلمين إلى ما يستدعي هذا العلاج الذي قامت به تلك السورة، ووضعت أحكامه ومبادئه فيما يختص بالأساس النهائي الذي يستقر عليه الأمر في معاملة المشركين وأهل الكتاب في جزيرة العرب، وفيما يختص بالتنبه واليقظة بالنسبة لما بتخلل الدولة من عناصر التخذيل والنفاق في كل وقت وفي كل مكان.

بدأ النبي صلي الله عليه وسلم دعوته في مكة بأنه رسول الله، يدعو الناس إلى الإيمان بالله واليوم الآخر والعدل والإحسان وسائر العمل الصالح، وقد تدرج في دعوته من السرية إلى الجهرية فقابله قومه بالإنكار، وساوموه على ترك العبادة بما بطيب، له، ثم انطلقوا مبيه إلى العنف والاضطهاد، وقد دون التاريخ من حوادث التعذيب والإيذاء له ولمن بلبي دعوته ما تقشعر من ذكره الجلود، وظل بمكة ثلاث عشرة سنة يعاني منها هو وصحبه ما يعاني من ألوان العذاب وصور التنكيل، وأخيرا اعتزموا قتله بطريقة تفرق دمه في القبائل، فهيأ الله له سبيل الهجرة إلى المدينة التي انتقلت دعوته إليها بواسطة الوفود، وأخذت تسري في القلوب بما تحمل من جلال و جمال، حتى كونت لها من شباب المدينة أنصارا أرباب قوة وفتوة، عاهدوا الرسول على الموت في سبيل نصرته ونشر دعوته، وبهذه الهجرة سقط في أيدي المشركين وتضاعف حقدهم على محمد وأصحابه الذين نجوا من الفتك بهم بعد أن هيأوا فرصته واتخذوا عدته .. سقط في أيديهم وطاشت عقولهم، وأخذوا يبعثون عيونهم للتجسس على محمد وأصحابه، ومعرفة ما عساه أن يكون منهم بعد أن أخرجوا من مكة والتقوا مع أنصارهم بالمدينة، وبذلك صار شأن محمد شغلهم الشاغل الذي لا ينامون عنه ولا بطمئنون إليه وبخاصة حينما علموا أنه استقر بالمدينة التي تأخذ عليهم طريقهم في تجارتهم إلى الشام هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن في مكة طالب سلطان وملك حتى يكتفي بسلطان المدينة وملكها، وإنما كان صاحب الدعوة الإلهية العامة التي تهدف. من أول رسول بعثه الله إلى خلقه، إلى إفرار توحيد الله في القلوب والقضاء على الشرك، وتركيز عناصر الخير والعدل بين الناس جميعا، هاجر إلى المدينة وهذه دعوته، فتلقاه أنصار بايعوه على النصرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت