فريش - تحس بالخطر الحقيقى التي يتهددها من دعوة (أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) وما تمثله من ثورة على كل ساطان أرضى لا يستمد من سلطان الله، ومن تمرد نهائي على كل طاغوت في الأرض والفرار منه إلى الله، ثم بالخطر الجدي من التجمع الحركي العضوي الجديد الذي أنشأته هذه الدعوة تحت قيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا التجمع الذين بدين منذ اليوم الأول - بالطاعة لله ولرسول الله، ويتمرد ويخرج على القيادة الجاهلية الممثلة في قريش والأوضاع السائدة في هذه الجاهلية، لم تكد الجاهلية، ممثلة في قريش أول الأمر. تحس بهذا الخطر وذاك حتى شنتها حريا شعواء على الدعوة الجديدة، وعلى التجمع الجديد وعلى القيادة الجديدة، وحتى أرصدت لها كل ما في جعبتها من آذى ومن كيد ومن فتنة ومن حيلة
لقد انتفض التجمع الجاهلي ليدفع عن نفسه الخطر الذي يتهدد وجوده بكل ما يدفع به الكائن العضوى خطر الموت عن نفسه .. وهذا هو الشأن الطبيعي الذي لا مفر منه كلما قامت دعوة إلى ربوبية الله للعالمين، في مجتمع جاهلى يقوم على أساس من ربوبية العباد للعباد، وكلما تمثلت الدعوة الجديدة في تجمع حركي جديد يتبع في تحركه قيادة جديدة، ويواجه التجمع الجاهلي القديم مواجهة النقيض للنقيض
وعندئذ تعرض كل فرض في التجمع الإسلامي الجديد للأذى والفتنة بكل صنوفها، إلى حد إهدار الدم في كثير من الأحيان، ويومئذ لم يكن بقدم على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والانضمام إلى التجمع الإسلامي الوليد، والدينونة لقيادته الجديدة، إلا كل من نذر نفسه لله، و نه با لاحتمال الأذى والفتنة والجوع والغربة والعذاب والموت في أبشع الصور في بعض الأحيان، بذلك تكونت للإسلام قاعدة صلبة، من أصلب العناصر عودا في المجتمع العربي، فأما العناصر التي لم تحتمل هذه الضغوط فقد فتنت عن دينها، وارتدت إلى الجاهلية مرة أخري .. وكان هذا النوع قليلا، فقد كان الأمر كله معروفا مكشوفا من قبل فلم بكن بقدم ابتداء على الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام وقطع الطريق الشائك الخطر المرهوب إلا العناصر المختار الممتازة الفريدة التكوين
وهكذا اختار الله السابقين من المهاجرين من تلك العناصر الفريدة النادرة، ليكونوا هم القاعدة الصلبة لهذا الدين في مكة، ثم ليكونوا هم القاعدة الصلبة لهذا الدين بعد ذلك في المدينة مع السابقين مع الأنصار، الذين وإن كانوا لم يصطلوها في أول الأمر كما اصطلاها المهاجرون، إلا أن بينهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم (بيعة العقبة قد دلت على أن عنصرهم ذو طبيعة أصيلة، مكافئة لطبيعة هذا الدين
قال ابن كثير في التفسير (4) (وقال محمد بن كعب القرظي و غيره ... قال عبد الله ابن رواحة، رضي الله عنه لرسول الله عليه وسلم. يعني ليلة العقبة ...(اشترط لربك ولنفسك ما شنت، فقال أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط النفسي أن تمنعوئي مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم) قالوا .. فمالقا إذا نحن فعلنا ذلك؟ قال (الجنة) قالوا: ربح البيع، ولا نقيل ولا نستقيل).