أولا: متى نزلت العورة؟ وأين؟ من المعلوم أن السور المكية تتحدث عن أصول الإيمان الاعتقادية: من الإلهيات والوحي والرسالة والبعث والجزاء وغيرها من عالم الغيب، وقصص الرسل مع أقوامهم ويلي ذلك فيها أصول التشريع الإجمالية العامة، والآداب والفضائل الثابتة ويتخلل هذا وذاك محاجة المشركين ودعوتهم إلى الإيمان ودحض شبههم وتشويه خرافاتهم.
وأما السور المدنية فتكثر فيها قواعد التشريع التفصيلية وأحكام الفروع العملية كما تكثر في بعضها محاجة أهل الكتاب، وبيان ما ضلوا فيه من هداية كتبهم ورسلهم ودعوتهم إلى الإيمان بخاتم الرسل، وفي بعضها بيان ضلالات المنافقين ومفاسدهم، ومن ثم يتبين أن سورة يقل فيها ذكر أصول الدين وما يناسبها من الحجج العقلية والسنن الكونية وكذا أحكام العبادات البدنية. كسورتنا هذه. لابد أن تكون مدنية.
وإذن فسورة التوبة. وعدد آياتها تسع وعشرون ومائة عند الكوفيين، وثلاثون ومائة عند الباقين، هي كلها مدنية، إذ السمات المدنية بادية فيها، كطول الأبات، والحديث عن الزكاة والحج والعهود والجهاد والمنافقين .. بل هي من أواخر ما نزل من القرآن إن لم تكن هي آخر ما نزل، وإن كانت الرواية الراجحة أن سورة النصر هي آخر سورة نزلت فالأدق أن يقال .. إن سورة التوبة هي آخر سورة أحكامية نزلت، وعليه تحمل رواية البخاري عن البراء قال أخر أية نزلت (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة و آخر سورة نزلت براءة
ومن ثم فقد تضمنت أحكاما نهائية في العلاقات بين الأمة المسلمة وسائر الأمم في الأرض، كما تضمنت تصنيف المجتمع المسلم ذاته، وتحديد قيمه ومقاماته، وأوضاع كل طائفة فيه وكل طبقة من طبقاته، ووصف واقع هذا المجتمع بجملته وواقع كل طائفة منه وكل طبقة وصفا دقيقا مصورا مبينا.
ومن مراجعة نصوص السورة مراجعة موضوعية ومراجعة ما جاء في الروايات المأثورة عن أسباب النزول وملابساته، ومراجعة أحداث السيرة النبوية كذلك، يتبين أن السورة بجملتها نزلت في العام التاسع من الهجرة، وهو العام الذي تمت فيه مراحل الجهاد المحمدي في سبيل تأمين الدعوة، والعمل على بعث التوحيد في القلوب والذي كمل فيه. بفتح مكة فبله , إحساس