كل هذه الملابسات. سواء ما يتعلق منها بتركيب المجتمع المسلم في هذه الفترة، أو ما يختص برواسب المهابة للروم والتخوف من الالتحام معهم، مضافا إليها ظروف الغزوة ذاتها وقد سميت غزوة العسرة لما سنبينه من الظروف التي أحاطت بها. وفوق ذلك كله شبهة أن الروم وعمالهم من نصارى العرب هم أهل الكتاب .. كل هذه الملابسيات دعت إلى زيادة الأيضاحات والبيانات القوية لتقرير حتمية هذا الأمر، وإزالة الشبهات، والمعوقات النفسية وجلاء الأسباب والعوامل لتلك الحتمية.
وفي الآية الأولى ببين السياق القرآني ضلال عقيدة أهل الكتاب هؤلاء، وأنها تضاهي عقيدة المشركين من العرب، والوثنيين من قدامى الرومان وغيرهم، وأنهم لم يستقيموا على العقيدة الصحيحة التي جاتهم بها كتبهم، فلا عبرة إذن بأنهم أهل كتاب، وهم يخالفون في الاعتقاد الأمل الذي تقوم عليه العقيدة الصحيحة في كتبهم
على أن من الممكن أن يقال في المنابة: إن الآية السابقة لهذه الآيات أفادت أن أهل الكتاب لا يؤمنون بالله على الوجه الحق الذي جاءت به رسله من توحيد وتنزيه لذاته وصفاته، ولا يؤمنون باليوم الآخر على الوجه الصحيح من أن الناس يبثون بشرا كما كانوا في الدنيا أجسادا وأرواحا وأنهم بجرون بإيمانهم وأعمالهم، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله إلى كل منهم إيمانا وإذعانا وعملا، ولا يدينون دين الحق وإنما يتبعون تقاليد وجدوا عليها آباءهم وأحبارهم ورهبانهم.
فلما بين تعالى هذا في سياق فتالهم وما ينتهي به إذا لم يؤمنوا بما جاء رسول الله وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم. وهو أداء الجزية بشرطها. عطف عليه ما يبين مبهمه وبفصل مجمله. مجمله
(وقالت اليهود عزيز بن الله وقالت النصارى المسيح بن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل فاتلهم الله أنى يؤفكون) .
نبدا بلفتة عن ذكر اليهود مع أن المقام لا يقتضيه، ثم بذكر شيء من تاريخ عزير هذا ومكانته عند القوم، ثم ببيان من سموه أبن الله من اليهود، ونقضي على ذلك بذكر قول التصاري المسيح ابن الله، وتفنيده، ثم من قال بمثل هذا القول من الوثنيين القدماء
قول اليهود عزير ابن الله والذي يلفت النظر هو ذكر اليهود هنا وقولهم: عزيز بن الله في حين أن الآيات كانت بصدد التوجيه والتحضير لمواجهة الروم وحلفائهم من نصارى العرب .. وذلك. على ما نرجح. يرجع إلى أمرين
الأول: أنه لما كان نص الآيات عاما والآمر بقتال أهل الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن بد وهم صاغرون عما فقد اقتضى السباق بيان الأصل الإعتقادي الذي يستند إليه هذا الأمر العام في شأن أهل الكتاب عامة من اليهود والنصارى سواء. '
الثاني: إن اليهود كانوا قد رحلوا من المدينة إلى أطراف الشام بعد ما اشتبكوا مع الإسلام