قال الله عز وجل لو كان عرضا فريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك، ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم، والله يعلم انهم لكاذبون) إلى قوله تعالى (يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) من أية 4 إلى أية 16 >
من هنا بدأ الحديث عن الطوائف التي ظهر عليها أعراض الضعف في الصف، وبخاصة جماعة المنافقين الذين انذسوا في صفوف المسلمين بإسم الإسلام، بعد أن غلب وظهر، فرائي هؤلاء أن حب السلامة، وحب الكسب يقتضيان أن يحنوا رؤسهم للإسلام، وأن يكيدوا له داخل الصفوف، بعد أن عز عليهم أن يكيدوا له خارج الصفوف، وسنرى في هذا المقطع كل الظواهر التي ذكرت في المقدمة كما يصورها السياق القرآني
وقد سبق هناك: إن هذا المقطع في سياق السورة هو أطول مناطقها، وهو يستغرق أكثر من نصفها، في فضح المنافقين، وأفاعيلهم في المجتمع المسلم، ووصف أحوالهم النفسية، والعملية ومواقفهم في غزوة تبوك وقبلها، وفي اثنائها، وما تلاها، وكشف حقيقة نواياهم، وحيلهم ومعاذيرهم في التخلف عن الجهاد، وبث الضعف والفتنة بالفرقة في الصف، وايذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلاص من المؤمنين، يصاحب هذا الكشف تحذير الخلصاء من المؤمنين من كيد المنافقين، وتحديد العلاقات بين هؤلاء وهؤلاء، والمفاصلة بين الفريقين وتمييز كل منهما بصفاته وأعماله، وهذا القطاع يؤلف في الحقيقة جسم السورة، ويتجلي من خلاله كيف عاد النفاق بعد فتح مكة، فاستشرى بعد ما كاد أن يتلاشى من المجتمع المسلم قبيل الفتح، وما علينا الا إن نقرأ هذه الآيات حتى نلمس هذه الحملة الطويلة الكاشفة، تشي بما كان المنافقين في هذه الفترة من محاولات كثيرة لإيذاء الصف المسلم، وفتنه وشغله بشتى الفتن والدسائس والأكاذيب عن وجهته، كما أنها في الوقت ذاته تكشف عن حالة الخلخلة وعدم التناسق في التكوين العضوي للمجتمع الإسلامي في هذه الفترة، يشير إليها قول الله تعالى (وفيكم سماعون لهم) كما يشير إليها النهى المشدد من الاستنفار للمنافقين أو الصلاة عليهم .. هذه الحالة التي نشأت من دخول جماعات كثيرة في الإسلام بعد الفتح لم يكن الإيمان قد أستقر في قلوبهم، ولا كانوا قد انطبعوا بالطابع الإسلامي الصحيح.