والسياق هنا برسم صورة كاملة للمجتمع المسلم في فترة مابعد الفتح، ويصف تكوينه العضوية، وفي هذه الصورة يتجلى نوع من الخلخلة، وقلة التناسق بين مستوياته الإيمانية، كما تنكشف ظواهر وأعراض من الشح بالنفس والمال، ومن النفاق، والضعف، والتردد في الواجبات، والتكاليف، والخلط وعدم الوضوح في تصور العلاقات بين المعسكر الإسلامي، والمعسكرات الأخرى، وعدم المفاصلة الكاملة على أساس العقيدة. وان كان هذا كله لا يتعارض مع وجود القاعدة الصلبة الأمينة من المهاجرين والأنصار، مما استدعى حملات طويلة مفصلة ومنوعة، للكشف والتوعية والبيان والتقرير، تشي بحاجة المجتمع إليها.
والنفاق خلق رديء، ووصف خبيث، تتلوث به الأنفس الدنيئة الفاسدة الفطرة، فلا يرى أهلها وسيلة إلى مطامعهم في المال، ومطامحهم إلى الجاه إلا الكذب والرياء، ولقاء الناس بوجوه مختلفة، والتصنع، والخداع، ولين القول، كما قال تعالى فيهم (واذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وأن يقولوا تسمع لقولهم ) ) وهم يوجدون في كل شعب وكل أمة، لا تخلوا منهم بادية، ولا حاضرة
أقسام النفاق وعلاماته
والنفاق قسمان: عقيدي وعملي، فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإلا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل والترك، وتتفاوت مراتبه، والنفاق يتكون من خصال، كما أن الإيمان بتكون من شعب، روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أية المنافق ثلاث .. إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) و پياده روي هر أيضا عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى بدعها .. إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) .
الجمع بين الحديثين
وقد جمع العلماء بين الحديثين بأن الرسول صلى الله عليه وسلم بما أخبر ببعض العلامات في وقت، ويبعضها في وقت آخر، وقال النووي: حصل من مجموع الروايتين خمس خصال، لأنهما تواردنا على الكذب في الحديث، والخيانة في الأمانة، وزاد الأول الخام في الوعد، وزاد الثاني القدر في المعاهدة، والفجور في الخصومة وقال العيني: إنها بالنظر إلى الحقيقة ثلاث، وإن كانت بحسب الظاهر خمسة، لأن قوله (إذا عاهد غدر) داخل في قوله (إذا اؤتمن خان) وقوله (إذا خاصم فجر يندرج في الكذب في الحديث.
وخص هذه الخصات بالذكر أنها مبنية على ما عداها إذ أصل الديانة منحصر بالخيانة وعلى فساد النية بالخلف، إذ الخلف المذموم شرعا ماكان مبنيا على العزم وسبق الإصرار، بأن اقترن الوعد بالعزم على الخلف، أما لو كان عازما على الوفاء فعرض له مانع، أو بدا له رأي فهذا أم توجد فيه صفة النفاق، يشهد لذلك ما رواه الطبري: (إذا وعد وهو بحدث نفسه أنه بغلف) وما رواه أبو داود والترمذي: (إذا وعد الرجل أخاه، وفي نيته أن يفي له فله بف فلا أثم عليه) .
دار مسرالحروسة