في الحلقة الماضية يبدو الشخص الذي يتصرف بأشكال متناقضة في عيون الناس متقلبًا غير واثق، مشتت الفكر، غير جدير بالثقة. وهذه الخصائص كلها مكروهة من المجتمع ومن الشخص نفسه. فأراد هؤلاء المتنازلون أن يظهروا متوافقين في تصرفاتهم ويتجنبوا ما يمكن اعتباره تضاربًا في مواقفهم أمام شعبهم.
-وسط هذه الأقطاب الثلاثة: إرضاء الأعداء، والعناد مع الخصوم الفكريين، وكسب ثقة الناس المحبين للشخصية المنسجمة؛ انبرى المتنازلون للدفاع عن مواقفهم وتصريحاتهم المصادمة للشريعة، حاطبين في الليل لأي دليل شرعي أو عقلي يشهد لها، على طريقة:"اعتقد ثم استدل"، وهي طريقة لا يصيب حاملها الحق أبدًا، خاصة إذا فقد التجرد ودفعه التعصب إلى أن ينتصر لنفسه.
-وحتى يقنعوا الناس، كان لا بد من أن يقنعوا أنفسهم أولًا، ففاقد الشيء لا يعطيه. وخدعوا أنفسهم للأسف حتى أقنعوها. حصل تغيُّر حقيقي في النفسيات التي أصبحت تصريحاتها ومواقفها جزءًا من كيانها، خاصة مع وجود الالتزام العلني بالتوثيق المكتوب والمرئي والمسموع. فوجدت نفسها تدافع عن مواقفها كما تدافع عن كيانها! وبهذا قاد الالتزام إلى التوافق. التزموا بتبعات تنازلاتهم ثم وافقوا نفسياتهم مع هذه التبعات.
هذا التوافق، هذا التغيُّر في النفسيات؛ سهَّل تقديم تنازلات أكبر، وكلما كُسر باب من أبواب الثوابت اجتُرئ على ما بعده. وأتى أصحاب التصريح الأول بثان هو من لوازمه وتبعاته. وانتصب جيش المبررين الجاهز للدفاع عن هذا التنازل الجديد أيضًا.
-وفي كل مرة ينقشع غبار المعركة عن تحويل مسألة من القطعيات إلى مسألة ظنية اجتهادية، وهكذا جاء الهدم على الثوابت واحدًا تلو الآخر.
والعجيب أن هؤلاء المتنازلين كثيرًا ما يبررون تنازلاتهم الجديدة بعبارات لا تعني إلا أنهم وقعوا في الفخ! وهي قولهم:"لنكن صريحين، فالذي يقبل بالديمقراطية وشروطها عليه أن يقبل باستحقاقاتها. لا يجوز أن نتحدث عن العدالة والمساواة والحرية ثم نضع الشروط المانعة"! أي الشروط الشرعية المانعة من التطبيقات المنحرفة للديمقراطية.