بالعُشر» فما زلت أنا قصه حتى قال: «أوص بالثلث، والثلث كثير» [1] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث» [2] ، فالوصية للوارث منتفية، والوصية لغير الوارث ثابتة، وهي في سبيل الله على العموم، ولكنها ثابتة في حق الأمة دون النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأن الأنبياء لا يورثون، وكل ما تركوا فهو صدقة في سبيل الله قلّ أو كثير، إلا ما هو مستثنى للنفقة بقوله - صلى الله عليه وسلم: «إنما يأكل آل محمد من هذا المال» [3] ، وبقوله - صلى الله عليه وسلم: «إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركت بعد مؤنة عاملي، ونفقة نسائي صدقة» [4] ، فكون فاطمة رضي الله عنها لم تعلم بهذا الحكم الشرعي لا يقلل من شرفها على نساء العالمين، ولا على مكانتها عند الصحابة ومنهم أبو بكر - رضي الله عنهم -، ولا عند الأمة المحمدية، وكونها تطالب أبا بكر - رضي الله عنه - فذاك من حقها حسب فهمها، ولذلك عللت مطالبتها رضي الله عنها بسؤال أبي بكر فقالت له: «من يرثك؟ ، قال: أهلي وولدي، قالت: فمالي لا أرث النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ ! قال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنا لا نورث» ولكني أعول من كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوله، وأنفق على من كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينفق عليه [5] ، وفي رواية أنها قالت:"أفي الله أن ترث أباك، ولا أرث أبي؟ ، أما قال رسول الله: المرء يحفظ ولده؟"فبكى أبو بكر بكاء شديدا [6] .
نعم بكى أبو بكر - رضي الله عنه - فبين يديه بنت رسول الله رضي الله عنها، وقد قال - صلى الله عليه وسلم: «فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني» [7] ، وحاشا أبا بكر - رضي الله عنه - أن يسيء
(1) أخرجه الترمذي حديث (991) وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني.
(2) أخرجه الترمذي حديث (2299) طرفا من حديث طويل في حجة الوداع، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني.
(3) أخرجه البخاري حديث (4036) وانظر أطرافه: (3093، 3712، 4241، 6726) .
(4) أخرجه أحمد المسند حديث (10232) ..
(5) أخرجه البيهقي السنن الكبير حديث (13119) .
(6) تاريخ اليعقوبي (1/ 155) .
(7) أخرجه البخاري حديث (3714) وانظر أطرافه: (926، 3110، 3729، 3767، 5230، 5278) .