فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 254

يتفرجون علينا وهم يضحكون ولا حل إلا أن نجتمع على قتالهم ونوحد الجهود لضربهم وإلا فسنبقى كما نحن إن لم نزدد سوءًا, إن الجماعة مهما قلّت أو كانت إمكانياتها محدودة فإنها قوة يهابها العدو ويحسب لها ألف حساب وذلك إذا فعلت السبب وأعدت العدة التي أوجبها الله.

إن الجماعة -ورب الكعبة- بناء مُحكم وأمرٌ مُبرم وقل ما شئت عن القوة التي تحصل في الإيمان والأبدان والبلدان, والجماعة عبادة مأمورٌ بها شرعًا لازمة للأمة ومهما نجح أتباع الفرقة وأقاموا عملًا يملأ السمع والبصر, فلا زال الفرض مهدومًا وعملهم مشكورًا.

وظنّي أن أبناء الأمة المخلصين اليوم استفادوا من تجارب الماضي القريب ووصلوا إلى أن الجماعة روح القوة وذهابها ذهاب الروح والريح, فتخلصوا من شهواتهم وقطعوا الطريق على قطّاع الطريق إلى الوحدة وأدركوا بنظرتهم الثاقبة أن هذا الجسد المُثخن بالجراح والذي تعالجه أيدي العمل الجهادي الإسلامي وكل واحدٍ يعالج ولم يقفوا على بيت الداء جميعًا وداء الجسد القلب فبدؤوا يصلحون القلب ويعالجون الذي به قوام البدن وإذا صلح صلح الجسد كله, إن داء الأمة هو الفرقة والخلاف والتنازع الذي هو عين دين الشيطان ووظيفته وقد يئس أن يعبده المصلون فعمد إلى التحريش وإيقاع العداوة والبغضاء فانقاد له أولو الشهوات وأتباعهم والسمّاعون لهم, فتنافر الخلق وعظمت الفتنة وليس إلا شهوة أخرجها حاملها بقالب دينٍ وحق وتسلق بها على جهود المخلصين حتى وصل إلى مُبتغاه ثم تركهم في صحراء قاحلة لا ماء ولا كلأ وليس أمامهم إلا السراب.

ولا خلاص للأمة من عدوها إلا بجماعتها ووقوفها صفًّا واحدًا أمام الباطل واختيار الرجال الذين لا هَمّ لهم إلا مصلحة الدين وتقوية شوكة المسلمين.

إن وجود الخطأ لا يُسقط واجب الجماعة, إذ يجب علينا أن نجتمع ونسعى في تغيير المنكر فنطيع الله في ما أمر به وتغيير ما نهى عنه, يجب أن نترك أصحاب الشعارات ومن لا خبرة لهم بالحرب ومكائد العدو والذين لبّس عليهم العدو فتكلموا بلسان الدين إرضاءً للعدو أو حقدًا أو حسدًا أو لشهوة من مالٍ أو سلطة, فهؤلاء الغثاء وأصحاب القلوب الجوفاء يقتحمون بالأمة الغمرات ليقطفوا ثمرة جهود المخلصين وينعمون هم بالسلام.

ولنعلم أن سقوط الدولة أو نهايتها على أيدي الكفار لا يعني فشل الجماعة وأنها لا تجدي أو أن أهلها استعجلوا في قطف الثمرة -وقد يكون-, إن غلام الأخدود تسبب في قتل نفسه وجر معه أمة من الناس أحرقت بالنار ولم يحققوا نجاحًا في مقياس عبدة الدرهم والدينار ولكن الله أنزل فيهم قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة ليكون برهانًا ودليلًا على فوزهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة, فهل يُقال إن غلام الأخدود جر الأمة إلى مواجهة خاسرة؟

ولنعلم أنّا إذا أردنا جماعة لا يواجهها الأعداء فإنما نحن كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه, إن الجماعة لن تؤتي ثمارها المرجوة حتى يحاربها الأعداء ويقاتلوها أشد القِتال, والحرب سِجال, فلا بد من القتلى ولا بد من الجرحى ومن يموت تحت الأنقاض ولا بد من الأسارى والمشردين, يكون مع ذلك جوع وخوف ونقص في الدواء, هذا هو الطريق, ثم تكون العاقبة, وإذا أردنا غير ذلك فإننا نريد من الله ما لم يكن لرسوله صلى الله عليه وسلم.

تريدين لقيان المعالي رخيصةً *** ولا بد دون الشهد من إبر النحلِ

لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله *** لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبِرا

من أراد سوى ذلك فليعتذر بقول القائل:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها *** واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت