فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 254

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى شيخنا المحدث سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله من كل مكروه

سلام الله عليك ورحمته وبركاته.

حمدا لله على سلامتك، أحمد الذي أحسن بك إذ أخرجك من السجن، ومن عليك باليسر بعد العسر، وبالسعة بعد الضيق، وبالفرج بعد الشدة.

أبعث إليك بهذه الرسالة راجيا أن أقضي شيئا من حقك علي، ولولا بعد الشقة وقطاع الطريق دونك لقطعت المسافات إليك، وتكلفت عناء السفر، وفاء لحقك، وعرفانا لجميلك، فإننا نتقرب إلى الله بمحبتك وزيارتك فيه.

ها قد خرجتَ بحمد الله، وجدير بك أن تتمثل بقول القائل:

خرجنا من السجن شم الأنوف ‍ ... كما تخرج الأسد من غابها

نمر على شفرات السيوف ‍ ... ونأتي المنية من بابها

ونأبى الحياة إذا دنست ‍ ... بعسف الطغاة وإرهابها

الحمد لله، خرجت كما أردت، لا كما أراد عدوك، وكما شئت، لا كما شاء عدوك، وكأني بأعدائك قد أخرجوك وهم يعضون الأنامل من الغيظ، ويتمنون لو قتلوك لكن الله حال بينهم وبين ما يشتهون، وحقا إنما النصر صبر ساعة.

كأني بك -فضيلة الشيخ- ترى خروجك من السجن خلافا لما يراه الغير، الناس تراه نهاية العناء، وأما أنت فتراه بداية لعناء جديد، ونهاية فصل من المراغمة غلب عليه ثبات الموقف، ليبدأ فصل جديد يتميز بمزيد من الصدع بالحق، فلا راحة إلا بوضع أول قدم في الجنة، ومن اختار طريق الأنبياء فلا بد أن يلقى الذي يلقون.

لست بناس وصاياك لنا في السجن، عندما كنا نتحدث عن الفرج، فتقول لنا: لا تسألوا الله الفرج واسألوا الله الثبات. وبالفعل فإن الله أمرنا بالثبات، وتكفل لنا بالفرج.

أسأل الله - يا شيخ - الذي أعانك على فتنة الضراء، أن يعينك على السراء، وأن يكون مثلك كالذهب الخالص الذي يعرض على النار فيتخلص من الغش، و يحلى بالفصوص فيزداد جمالا.

كثر الناس عليك، وازدحموا على بابك، وما أتوك لأنهم رأوا فيك العالم الحافظ فقط، ولكنما أتوك لأنهم رأوا فيك مع العلم الثبات، فاثبت على أمر الله فلم يبق إلا القليل.

إن كثيرا من الناس قصدوك وهم يرون في زيارتك ودخول بيتك وتكثير سواد زوارك موطئا من المواطئ التي تغيظ الكفار والمنافقين، يفعلون ذلك يحتسبون به الأجر عند الله، وما كان هذا بمجرد التدريس والتعليم، وإنما هو بالفتوى التي لا سلطان لأحد عليها سوى الله، كما أحسب.

إن الناس أتوا إليك، يتطلعون إليك تطلع التائه في الفلاة إلى نجوم السماء، لعله يجد عليها هدى، فقد ضل الهادي، وانقطع صوت الحادي، وتخبط كثير من الخلق في لجج من الظلمات.

إن الأمة قد بليت ببلية لا أظنها قد بليت بها من قبل؛ فقد رأت تخبطا من علمائها أفقدها الثقة بأقوالهم، ففريق تقيدت فتاويهم بأهواء حكامهم، وفريق لا يقولون الحق الذي يغضب حكامهم، وفريق يدعون من دين الله ما يعرضهم للبلاء، وفريق تعلقوا بالمصالح الموهومة حتى عطلوا لأجلها التوحيد، وفريق غرقوا في بحر التناقضات، فأجازوا اليوم ما كانوا يحرمونه بالأمس، وبلغ الحال ببعضهم أن أوجب اليوم ما كان يراه بالأمس كفرا، وهذا ما جعل الأمة تتجاوز علماءها، وتتصرف من تلقاء نفسها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت