فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 254

الحمد لله الذي أوجب النصح على المؤمنين, والصلاة على نبيه القائل:"الدين النصيحة"صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان وسلَّم تسليمًا إلى يوم الدين, أما بعد:

لقد أوجب الله الإصلاح, ومن وسائل الإصلاح النصيحة, وهذه وقفاتٌ مع مسيرة الإصلاح في بلاد الحرمين, كيف هي؟ وكيف تُواجَه؟ كيف كانت, وكيف أصبحت؟

لقد تأسَّست حكومة آل سعود أول أمرها وكان الأغلب من عباد الله يحسنون بها الظن, ولا أبالغ إن قلت إنَّ من الناس من كان يراها على منهاج النبوة, ولا عجب فلم تتجلَّ فضائحها آنذاك ولم يكن من الإعلام وقتها ما يبين ما كان خافيًا.

ولكن ومع تولِّي فهد بن عبد العزيز مقاليد الحكم بدأت تظهر فيها علامات الميل إلى الغرب -والأمريكان بالذات- والسير في ركابهم, وكان البلاء يظهر شيئًا فشيئًا, فمن الناس من يتقبله بالتدريج ومنهم من ينكره بقلبه أو لسانه.

ولقد كان الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله- من أوائل من بدأوا مسيرة الإصلاح, فقد كانت فتاواه مليئةً بخطابات المناصحة التي يرسلها لأمراء آل سعود على اختلاف أشكالهم، وكانت الشرارة التي أطلقت أصوات الدعاة بشكلٍ ظاهرٍ أزمةُ الخليج، حيث أُبيحت البلاد للصليبيين إباحةً لا زالت البلاد تشكو منها, ومن ناحيةٍ أخرى قامت أول تظاهرةٍ نسائيةٍ تطالب بقيادة المرأة للسيارة, عندها علت أصوات الدعاة منكرين لهذا وهذا, وكانت السياسة السعودية قائمةً منذ زمنٍ على مبدأ فرعون {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى} ، فلم نكن نسمع من الحكومة ردًا على أصوات الدعاة إلا بفصل داعيةٍ وسجن آخر.

جاءت بعد ذلك مذكرة النصيحة، ولم تكن إلا خطابًا عظيم الأدب قوي المضمون، يبين حال الحكومة وينكر ما فيها من المنكرات موضحًا حكمها، فجُنَّ جنون الزمرة الحاكمة إذ كيف يتجرَّأ أحدٌ على نصيحتهم! وما كان جزاء الموقعين عليها إلا المنع أو الفصل.

اشتدت بعد ذلك المواجهة بين الحكام والدعاة فأقدمت وزارة الداخلية على سجن خلقٍ كثيرٍ من الدعاة، ومن كان قريبًا منهم من الشباب، ولبثوا في السجن بضع سنين.

لم يكن أحدٌ من أولئك وقتها يناقش -فضلًا عن أن يجاهر- بكفر الحكومة، وكانت الجريمة التي يُسجن عليها الشخص هي حيازة شريطٍ لفلانٍ أو فلانٍ من الدعاة ينكر على الدولة بعض منكراتها, وكانت تتم متابعة الشباب لأنهم يعقدون درسًا أو يقيمون حلقة قرآن، ولا زلت أذكر عندما كنا في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت